السَّوابق واللَّواحق؛ لأنَّه جعل الخِيَرة إليه، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: إن تزوَّجهنَّ في عقدٍ واحدٍ فسدَ نكاحُ الجميع، وإن تزوَّجهنَّ مترتِّباتٍ ثبت نكاحُ الأربع، وفسد نكاحُ مَن بعدهنَّ ولا تخيير١.
فصل
وحكم ﷺ أنَّ العبد إذا تزوَّج بغير إذن مواليه فهو عاهرٌ٢. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
فصل
واستأذنه بنو هشام بن المغيرة أن يزوِّجوا عليَّ بن أبي طالبٍ ابنةَ أبي جهل، فلم يأذن في ذلك، وقال: «إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلِّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنَّما فاطمةُ بَضْعَةٌ منِّي، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها، إنِّي أخاف أن تُفتَن فاطمةُ في دينها، وإنِّي لستُ أحرِّم حلالًا ولا أحلُّ حرامًا٣، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدوِّ الله في مكانٍ واحدٍ أبدًا».
وفي لفظٍ: فذكَرَ صِهْرًا له فأثنى عليه، وقال: «حدَّثني فصدَقَني ووعَدَني
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١٣٧، ١١٣٨)، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر﵁ -، وعبد الله صدوقٌ، في حديثه لين، ويقال: تغير بأخرة ــ كما قال الحافظ ــ وقد تفرَّد به، والحديث حسنه الترمذي، وصححه الحاكم: (٢/ ١٩٥). انظر «التلخيص»: (٣/ ٣٥٨)، و«صحيح أبي داود - الأم»: (٦/ ٣١٦).
(٣) ن: «لستُ أحل حرامًا ولا أحرّم حلالًا».
فوفَى لي»١.
فتضمَّن هذا الحكم أمورًا:
أحدها: أنَّ الرَّجل إذا شَرَط لامرأته٢ أن لا يتزوَّج عليها لَزِمه الوفاء بالشَّرْط، ومتى تزوَّج عليها فلها الفسخ. ووجه تضمُّن الحديث لذلك: أنَّه ﷺ أخبر أنَّ ذلك يؤذي فاطمة ويَرِيبها، وأنَّه يؤذيه ﷺ ويَرِيبه، ومعلومٌ قطعًا أنَّه إنَّما زوَّجه فاطمةَ على أن لا يؤذيها ولا يَريبها ولا يؤذي أباها ﷺ ولا يَرِيبه، وإن لم يكن هذا مُشْتَرطًا في صُلب العقد، فإنَّه من المعلوم بالضَّرورة أنَّه إنَّما دخلَ عليه.
وفي ذِكْره ﷺ صهره الآخر، وثنائه عليه بأنَّه حدَّثه فصدَقَه، ووعدَه فوفَى له= تعريضٌ بعليّ ﵁ وتهييجٌ له على الاقتداء به، وهذا يُشعر بأنَّه قد جرى منه وعدٌ له بأنَّه لا يَرِيبها ولا يؤذيها، فهيَّجه على الوفاء له، كما وفى له صهرُه الآخر.
فيؤخذ من هذا أنَّ المشروط عُرفًا كالمشروط لفظًا، وأنَّ عدمه يملِّك الفسخَ لمُشْتَرِطه، فلو فُرض مِن عادة قومٍ أنَّهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكِّنون أزواجَهم مِن ذلك البتَّة، واستمرَّت عادتُهم بذلك= كان كالمشروط لفظًا.
وهذا مطَّردٌ على قواعد أهل المدينة، وقواعد أحمد: أنَّ الشَّرط العرفيَّ
(١) أخرجه البخاري (٣١١٠، ٣٧٢٩) ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة ﵁.