زاد المعاد

فوفَى لي»١.

فتضمَّن هذا الحكم أمورًا:

أحدها: أنَّ الرَّجل إذا شَرَط لامرأته٢ أن لا يتزوَّج عليها لَزِمه الوفاء بالشَّرْط، ومتى تزوَّج عليها فلها الفسخ. ووجه تضمُّن الحديث لذلك: أنَّه ﷺ أخبر أنَّ ذلك يؤذي فاطمة ويَرِيبها، وأنَّه يؤذيه ﷺ ويَرِيبه، ومعلومٌ قطعًا أنَّه إنَّما زوَّجه فاطمةَ على أن لا يؤذيها ولا يَريبها ولا يؤذي أباها ﷺ ولا يَرِيبه، وإن لم يكن هذا مُشْتَرطًا في صُلب العقد، فإنَّه من المعلوم بالضَّرورة أنَّه إنَّما دخلَ عليه.

وفي ذِكْره ﷺ صهره الآخر، وثنائه عليه بأنَّه حدَّثه فصدَقَه، ووعدَه فوفَى له= تعريضٌ بعليّ ﵁ وتهييجٌ له على الاقتداء به، وهذا يُشعر بأنَّه قد جرى منه وعدٌ له بأنَّه لا يَرِيبها ولا يؤذيها، فهيَّجه على الوفاء له، كما وفى له صهرُه الآخر.

فيؤخذ من هذا أنَّ المشروط عُرفًا كالمشروط لفظًا، وأنَّ عدمه يملِّك الفسخَ لمُشْتَرِطه، فلو فُرض مِن عادة قومٍ أنَّهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكِّنون أزواجَهم مِن ذلك البتَّة، واستمرَّت عادتُهم بذلك= كان كالمشروط لفظًا.

وهذا مطَّردٌ على قواعد أهل المدينة، وقواعد أحمد: أنَّ الشَّرط العرفيَّ

  1. (١) أخرجه البخاري (٣١١٠، ٣٧٢٩) ومسلم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة ﵁.
  2. (٢) في المطبوع: «لزوجته» خلاف النسخ.
164

كاللَّفظيِّ سواءٌ، بهذا أوجبوا الأجرةَ على مَن دفع ثوبه إلى غسَّالٍ أو قصَّارٍ، أو عجينه إلى خبَّازٍ، أو طعامَه إلى طبَّاخٍ يعملون بالأجرة، أو دخل الحمَّام أو استخدم من يغسله ممَّن عادته يغسل بالأجرة ونحو ذلك، ولم يشرط لهم أجرة= أنَّه يلزمه أجرة المِثْل.

وعلى هذا، فلو فُرض أنَّ المرأة من بيتٍ لا يتزوَّج الرَّجل على نسائهم ضرَّةً ولا يمكِّنونه من ذلك، وعادتهم مستمرَّةٌ بذلك، كان كالمشروط لفظًا.

وكذلك لو كانت١ ممَّن يعلم أنَّها لا تمكِّن٢ إدخال الضَّرَّة عليها عادةً، لشرفها وحَسَبها٣ وجلالتها، كان ترك التَّزوُّج٤ عليها كالمشروط لفظًا سواءٌ.

وعلى هذا فسيِّدة نساء العالمين، وابنة سيِّد ولد آدم أجمعين أحقُّ النِّساء بهذا، فلو شرطَه عليٌّ في صلب العقد كان تأكيدًا لا تأسيسًا.

وفي مَنْع عليٍّ من الجمع بين فاطمة وبين بنت أبي جهل حكمةٌ بديعةٌ، وهي أنَّ المرأة مع زوجها في درجته تبعٌ له، فإن كانت في نفسها ذات درجةٍ عاليةٍ، وزوجها كذلك، كانت في درجةٍ عاليةٍ بنفسها وبزوجها، وهذا شأن فاطمةَ وعليٍّ - ﵄ -، ولم يكن الله ﷿ ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة في درجةٍ واحدةٍ لا بنفسها ولا تبعًا، وبينهما من الفرق ما بينهما، فلم

  1. (١) ن: «كان».
  2. (٢) م: «يمكن».
  3. (٣) ز، ب: «وحُسْنِها».
  4. (٤) كذا في ح، م، ط الهندية. وفي ز، د: «التزويج»، وب: «النكاح»، ون: «الزوج» وكتب فوقها: أي الزوجة.
165

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي