قالوا: وأيضًا فالرَّضاع مشبَّهٌ بالنَّسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحُرْمة والمحرميَّة فقط دون التَّوارث والإنفاق وسائر أحكام النَّسب، فهو نسبٌ ضعيفٌ، فأخذ بحسب ضعفه بعض أحكام النَّسب، ولم يقوَ على سائر أحكام النَّسب، وهو ألصق به١ من المصاهرة فكيف يقوَى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكامٍ مُشبهةٍ وشقيقةٍ؟!
وما للمصاهرة والرَّضاع؟ فإنَّه لا نسبَ بينهما ولا شَبَه٢ نسبٍ ولا بعضيّة٣ ولا اتِّصال. قالوا: ولو كان تحريم الصِّهريَّة٤ ثابتًا لبيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا يقيم الحجَّةَ ويقطع العذرَ، فمِن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التَّسليم والانقياد.
فهذا منتهى النَّظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجَّةٍ٥ فليرشد إليها وليدلَّ عليها، فإنَّا لها منقادون، وبها معتصمون، والله الموفِّق للصَّواب.
(١) «وهو ألصق به» ليست في ح، ب. وفي ز، د، م، ن: «وهي». وتصحفت «ألصق» في ز إلى «الصهق» وفي م إلى «العضوية» وأصلحها في الهامش إلى ما هو مثبت.
(٢) ح، ز، د: «شبهة».
(٣) رسمها في الأصول: «بعضه»، والبعضية مصدر صناعيّ من «بعض»، وهو كون الشيء بعضًا للآخر أو جزءًا منه.
(٤) ز، د: «الصهر به».
(٥) ب: «بعدها بالحجة».
أو عقد نكاحٍ، ويتناول آباء الآباء وآباء الأمَّهات وإن علون، والاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾[النساء: ٢٢] من مضمون جملة النَّهي، وهو التَّحريم المستلزم للتَّأثيم والعقوبة، فاستثنى منه ما سَلَف قبل إقامة الحجَّة بالرَّسول والكتاب.
فصل
وحرَّم سبحانه الجمعَ بين الأختين، وهذا يتناول الجمعَ بينهما في عقد النِّكاح وملك اليمين كسائر محرَّمات الآية، وهذا قول جمهور الصَّحابة ومَن بعدهم١، وهو الصَّواب، وتوقَّفَتْ طائفةٌ في تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا العموم بعموم قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾[المؤمنون: ٥ - ٦]، ولهذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان: «أحلَّتهما آيةٌ، وحرَّمتهما آيةٌ»٢.
وقال الإمام أحمد في روايةٍ عنه: لا أقول هو حرامٌ، ولكن ننهى٣ عنه٤، فمِن أصحابه مَن جعل القولَ بإباحته روايةً عنه. والصَّحيح أنَّه لم
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٤٣)، وعبد الرزاق (١٢٧٢٨)، وابن أبي شيبة (١٦٢٦٤)، عن الزهري عن قبيصة عن عثمان ﵁، وكذا أخرجه البزار في «المسند» (٧٣٠)، وابن أبي شيبة (١٦٢٥٣) عن علي ﵁، وصححه الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (٤/ ٢٦٩)، ينظر «التلخيص»: (٣/ ٣٧٨).
(٣) د، م: «يُنهى». وكذا في التي بعدها. وكذا وقع في رواية الكوسج.
(٤) هي رواية إسحاق بن منصور الكوسج: (٤/ ١٥٥٠ - ١٥٥١)، وينظر «المغني»: (٩/ ٥٣٨).