زاد المعاد

المعنى: فإنَّ المنقطعَ لا بدَّ فيه من رابطٍ بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج توهُّم١ دخوله فيه بوجهٍ ما، فإنَّك إذا قلتَ: «ما بالدَّار من أحدٍ» دلَّ على انتقال٢ مَن بها بدوابِّهم وأمتعتهم، فإذا قلت: «إلا حمارًا أو إلا الأثافيَّ»، ونحو ذلك، أزلتَ توهُّم دخولِ المستثنى في حكم المستثنى منه.

وأَبْيَن من هذا قوله تعالى: ﴿فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ﴾ [مريم: ٦٢] فاستثناء السَّلام أزال توهُّم نفي السَّماع العامِّ، فإنَّ عدمَ سماع اللَّغو يجوز أن يكون لعدم سماع كلامٍ ما، وأن يكونَ مع سماعِ غيره، وليس في تحريم نكاح المزوَّجة ما يوهم تحريم وطء الإماء بملك اليمين حتَّى يخرجه.

وقالت طائفةٌ: بل الاستثناءُ على بابه، ومتى ملك الرَّجل الأَمَة المزوَّجة كان ملكه لها طلاقًا٣، وحلَّ له وطؤها، وهي مسألة بيع الأَمَة هل يكون طلاقًا لها أو لا؟ فيه مذهبان للصَّحابة٤: فابن عبَّاسٍ يراه طلاقًا ويحتجُّ له بالآية، وغيره يأبى ذلك ويقول: كما يجامع المُلك السَّابق للنَّكاح اللَّاحق اتِّفاقًا ولا يتنافيان، كذلك المُلك اللَّاحق لا ينافي النِّكاح السَّابق، قالوا: وقد خيَّر رسولُ الله ﷺ بَريرَة لمَّا بيعت٥، ولو انفسخ نكاحُها لم يخيِّرها. قالوا:

  1. (١) ط الفقي والرسالة: «ما توهم» خلاف النسخ.
  2. (٢) في المطبوع: «انتفاء» خلاف النسخ.
  3. (٣) في المطبوع: «طلاقًا لها».
  4. (٤) ينظر «فتح الباري»: (٩/ ٤٠٤)، و«التمهيد»: (٢٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، و«شرح ابن بطال»: (٧/ ٢٠٧)، و«الأم»: (٨/ ٤٣٥)، و«بدائع الفوائد»: (٣/ ٩٥١)، و«إغاثة اللهفان»: (١/ ٥١٥).
  5. (٥) سبق تخريجه.
179

وهذا حجَّةٌ على ابن عبَّاسٍ، فإنَّه هو راوي الحديث والأخذ برواية الصَّحابيِّ لا برأيه.

وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: إن كان المشتري امرأةً لم ينفسخ النِّكاح، لأنَّها لم تملك الاستمتاع ببُضْع الزَّوجة، وإن كان رجلًا انفسخ لأنَّه ملك الاستمتاع به، ومِلْك اليمين أقوى مِن مِلك النِّكاح، وبهذا الملك يبطل النِّكاح دون العكس، قالوا: وعلى هذا فلا إشكال في حديث بَريرة.

وأجاب الأوَّلون عن هذا: بأنَّ المرأة وإن لم تملك الاستمتاع ببضع أَمَتِها فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأَخْذ مهرها، وذلك كملك الرَّجل وإن لم تستمتع بالبضع.

وقالت فرقةٌ أخرى: الآية خاصَّةٌ بالمسبيَّات، فإنَّ المسبيَّة إذا سُبِيَت حلَّ وطؤها لسابيها بعد الاستبراء وإن كانت مزوَّجةً، وهذا قول الشَّافعيِّ وأحد الوجهين لأصحاب أحمد١، وهو الصَّحيح كما روى مسلم في «صحيحه»٢ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ بعثَ جيشًا إلى أوطاسٍ فلقي عدوًّا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا سبايا، وكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا مِن غِشيانهنَّ من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٤]، أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضت عدَّتهنَّ.

  1. (١) ينظر ما سبق (٣/ ١٣٤)، و«المغني»: (١١/ ١٣١ - ١٣٢)، و«نهاية المطلب»: (١٥/ ٣٢٠ - ٣٢٥).
  2. (٢) (١٤٥٦).
180

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي