قلت: وهو أحد الرِّوايتين عن أحمد١، ولكنَّ الذي أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾[الممتحنة: ١٠] وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾[الممتحنة: ١٠] لم يحكم بتعجيل الفُرقة، فروى مالك في «موطَّئه»٢ عن ابن شهابٍ قال: «كان بين إسلام صفوان بن أميَّة وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهرٍ، أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتَّى شهد حنينًا والطَّائف وهو كافرٌ، ثمَّ أسلم، ولم يفرِّق النَّبيُّ ﷺ بينهما، واستقرَّت عنده امرأتُه بذلك النِّكاح».
قال ابن عبد البرِّ٣: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال ابن شهابٍ: أسلمَتْ أمُّ حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتَّى أتى اليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم فبايع النبيَّ ﷺ فبقيا على نكاحهما٤.
ومن المعلوم يقينًا أنَّ أبا سفيان خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النَّبيِّ
(١) ينظر «المغني»: (١٠/ ٨)، و«الإنصاف»: (٨/ ٢١١).
(٢) (١٥٦٥)، ومن طريقه الشافعي في «الأم»: (٧/ ٢٣٠)، والبيهقي في «الكبرى»: (٧/ ١٨٦ - ١٨٧) وسنده ضعيف لإرساله.
(٣) في «التمهيد»: (١٢/ ١٩)، وتمام كلامه: «لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله».
(٤) سبق تخريجه.
ﷺ مكَّة، ولم تسلم هند امرأته حتَّى فتح رسولُ الله ﷺ مكَّة، فبقيا على نكاحهما١.
وأسلم حكيمُ بن حزامٍ قبل امرأته٢، وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي٣ أمية عام الفتح، فلقيا النبيَّ ﷺ بالأبواء، فأسلما قبل أزواجهما٤٥، ولم يُعلم أنَّ النبي ﷺ فرَّق بين أحدٍ ممَّن أسلم وبين امرأته.
وجواب من أجاب بتجديد نكاح مَن أسلم في غاية البطلان، والقول٦ على رسول الله ﷺ بلا علمٍ، واتِّفاق الزَّوجين في التَّلفُّظ بكلمة الإسلام معًا في لحظةٍ واحدةٍ معلومُ الانتفاء.
ويلي هذا القول مذهب مَن يَقِفُ الفرقةَ على انقضاء العدَّة مع ما فيه٧، إذ فيه آثارٌ ولو كانت منقطعةً، ولو صحَّت لم يجز القولُ بغيرها.
(١) ذكر نحوه الخطابي في «المعالم»: (٣/ ٣٢)، وانظر قصة إسلامه عند البخاري (٤٢٨٠).
(٢) قصة إسلامه عند البخاري (٤٢٨٠)، وانظر «الأم»: (٤/ ٢٨٧) و(٥/ ١٦٣).
(٣) «أبي» سقطت من عامة النسخ عدا ز، وط الهندية.
(٤) م، د، ب: «قبل نكاحهما»، وفي ن: «قبل نسائهما»، وفي المطبوع تغيير وزيادة: «قبل منكوحتيهما فبقيا على نكاحهما». والمثبت من ز، ح.
(٥) قصة إسلامهما أخرجها الطبراني في «الكبير» (٧٢٦٤)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (٦/ ١٦٥ - ١٦٧): «رجاله رجال الصحيح». وذكره الألباني في «الصحيحة» (٣٣٤١). وينظر «الاستيعاب»: (٤/ ١٦٧٤)، و«الفتح»: (٩/ ٤٢١).