أبان، حدَّثنا يحيى أنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدَّثه أنَّ رفاعة حدَّثه عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي جاريةً وأنا أعْزِل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرِّجال، وإنَّ اليهود تحدِّث أنَّ العزلَ الموءودةُ الصُّغرى. قال: «كذبَتْ يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعْتَ أن تصرفه».
وحسبك بهذا الإسناد صحَّةً، فكلُّهم ثقاتٌ حُفَّاظ.
وقد أعلَّه بعضُهم بأنَّه مضطربٌ؛ فإنَّه اخْتُلف فيه على يحيى بن أبي كثيرٍ، فقيل: عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله. ومن هذه الطَّريق أخرجه الترمذي والنَّسائيُّ١.
وقيل فيه: عن أبي مُطيع بن رِفاعة، وقيل: عن أبي رفاعة، وقيل: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا لا يقدح في الحديث، فإنَّه قد يكون عند يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر، وعنده عن ابن٢ ثوبان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعنده عن ابن٣ ثوبان، عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم رفاعة، هل هو أبو رفاعة أو ابن رفاعة أو أبو مطيع٤؟ وهذا لا يضرُّ مع العلم بحال رفاعة.
(١) أخرجه الترمذي (١١٣٦)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٣٠)، وقد سبق الكلام عليه وأن في سنده ضعفًا.
(٢) ح، د: «أبي» وبقية النسخ: «ابن».
(٣) ن، ح، م، ط الهندية: «أبي».
(٤) ن: «أبو رفاعة أو أبو مطيع»، وسقط من د بعد قوله: «هل هو أبو رفاعة ...» إلى آخر الفقرة. وينظر «تهذيب الكمال»: (٣٤/ ٣٠٠)، و«التاريخ الكبير - الكنى»: (٨/ ٣١).
ولا ريب أنَّ أحاديث جابر صريحةٌ صحيحةٌ في جواز العزل، وقد قال الشَّافعيُّ١: ونحن نروي عن عددٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ أنَّهم رخَّصوا في ذلك ولم يروا به بأسًا. قال البيهقي٢: وقد رُوِّينا الرُّخصةَ فيه عن سعد بن أبي وقَّاصٍ وأبي أيُّوب الأنصاريِّ وزيد بن ثابتٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهم٣، وهو مذهب مالك والشَّافعيِّ وأهل الكوفة وجمهور أهل العلم٤.
وقد أجيب عن حديث جدامة بأنَّه على طريق التَّنزيه، وضعَّفته طائفةٌ، وقالت: كيف يصحُّ أن يكون النَّبيُّ ﷺ كذَّب اليهودَ عن٥ ذلك ثمَّ يخبر به كخبرهم؟! هذا مِن المُحال البيِّن.
وردَّت عليه طائفةٌ أخرى، وقالوا: حديث تكذيبهم فيه اضطرابٌ وحديث جدامة في «الصَّحيح».
وجمعت طائفةٌ أخرى بين الحديثين، وقالت: إنَّ اليهود كانت تقول: إنَّ العزل لا يكون معه حملٌ أصلًا، فكذَّبهم رسولُ الله ﷺ في ذلك، ويدلُّ عليه قوله ﷺ: «لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه»، وقوله: «إنَّه الوأد الخفيُّ» فإنَّه وإن لم يمنع الحمل بالكلِّيَّة كترك الوطء فهو مؤثِّرٌ في تقليله.