إلا تفعلوا١ تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ»، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ فقال: «إذا جاءكم مَن ترضونَ دينَه وخُلُقَه فأنكحوه» ثلاث مرَّاتٍ.
وقال لبني بياضة: «أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه»٢ وكان حجَّامًا.
وزوَّج النَّبيُّ ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه٣، وزوَّج فاطمةَ بنت قيس الفِهْرية القرشية مِن أسامةَ ابنِه٤. وتزوَّج بلالُ بن رباحٍ بأخت عبد الرَّحمن بن عوفٍ٥، وقد قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾[النور: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾[النساء: ٣].
(١) ن، ط الهندية: «تفعلوه».
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٠٢) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، ومحمدٌ صدوق له أوهام حسَنُ الحديث، والحديث صححه ابن حبان (٤٠٦٧)، والحاكم: (٢/ ١٦٤)، وحسَّن الحافظُ إسناده، وله شاهد عن عائشة ﵂ عند الطبراني والدارقطني. وانظر «التلخيص»: (٣/ ٣٥٦)، و«الصحيحة» (٢٤٤٦).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم (١٤٨٠، ٢٩٤٢).
(٥) أخرجه الدارقطني (٣٧٩٧).
فالَّذي يقتضيه حكمُه ﷺ اعتبار الدِّين في الكفاءة أصلًا وكمالًا، فلا تزوَّج مسلمةٌ بكافرٍ، ولا عفيفةٌ بفاجرٍ، ولم يعتبر القرآنُ والسُّنَّةُ في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنَّه حرَّم على المسلمة نكاح الزَّاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا ولا صناعةً ولا غنًى ولا حرِّيَّةً، فجوَّز للعبد القنِّ نكاح الحرَّة النَّسيبة الغنيَّة١، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوَّز لغير القرشيِّين نكاح القرشيَّات، ولغير الهاشميِّين نكاح الهاشميَّات، وللفقراء نكاح الموسرات.
وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنِّها الدِّين، وفي روايةٍ عنه: إنِّها ثلاثةٌ: الدِّين والحرِّيَّة والسَّلامة من العيوب٢.
وقال أبو حنيفة: هي النَّسب والدِّين٣.
وقال أحمد في روايةٍ عنه: هي الدِّين والنَّسب خاصَّةً. وفي أخرى: هي خمسةٌ: الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة والمال٤. وإذا اعتبر فيها النَّسب فعنه فيه روايتان: إحداهما: أنَّ العرب بعضهم لبعضٍ أَكْفاءٌ. والثَّانية: أنَّ قريشًا لا يكافئهم إلا قرشيٌّ، وبنو هاشمٍ لا يكافئهم إلا هاشميٌّ٥.
وقال أصحاب الشَّافعيِّ: يعتبر فيها الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة