فالَّذي يقتضيه حكمُه ﷺ اعتبار الدِّين في الكفاءة أصلًا وكمالًا، فلا تزوَّج مسلمةٌ بكافرٍ، ولا عفيفةٌ بفاجرٍ، ولم يعتبر القرآنُ والسُّنَّةُ في الكفاءة أمرًا وراء ذلك، فإنَّه حرَّم على المسلمة نكاح الزَّاني الخبيث، ولم يعتبر نسبًا ولا صناعةً ولا غنًى ولا حرِّيَّةً، فجوَّز للعبد القنِّ نكاح الحرَّة النَّسيبة الغنيَّة١، إذا كان عفيفًا مسلمًا، وجوَّز لغير القرشيِّين نكاح القرشيَّات، ولغير الهاشميِّين نكاح الهاشميَّات، وللفقراء نكاح الموسرات.
وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة، فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنِّها الدِّين، وفي روايةٍ عنه: إنِّها ثلاثةٌ: الدِّين والحرِّيَّة والسَّلامة من العيوب٢.
وقال أبو حنيفة: هي النَّسب والدِّين٣.
وقال أحمد في روايةٍ عنه: هي الدِّين والنَّسب خاصَّةً. وفي أخرى: هي خمسةٌ: الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة والمال٤. وإذا اعتبر فيها النَّسب فعنه فيه روايتان: إحداهما: أنَّ العرب بعضهم لبعضٍ أَكْفاءٌ. والثَّانية: أنَّ قريشًا لا يكافئهم إلا قرشيٌّ، وبنو هاشمٍ لا يكافئهم إلا هاشميٌّ٥.
وقال أصحاب الشَّافعيِّ: يعتبر فيها الدِّين والنَّسب والحرِّيَّة والصِّناعة
ولهم في اليسار ثلاثة أوجهٍ٢: اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في أهل المدن دون أهل البوادي؛ فالعجميُّ ليس عندهم٣ كُفئًا للعربيِّ، ولا غير القرشيِّ للقرشيَّة، ولا غير الهاشميِّ للهاشميَّة، ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصُّلحاء المشهورين كُفئًا لمن ليس منتسبًا إليهما، ولا العبد كُفئًا للحرَّة، ولا العتيق كفئًا لحرَّة الأصل، ولا مَن مسَّ الرِّقُّ أحدَ آبائه كفئًا لمن لم يمسَّها رقٌّ، ولا أحدًا٤ من آبائها، وفي تأثير رقِّ الأمَّهات وجهان، ولا مَن به عيبٌ مثبتٌ للفسخ كُفئًا للسَّليمة منه، فإن لم يثبت الفسخ وكان منفِّرًا كالعمى والقَطْع، وتشويه الخِلقة، فوجهان: واختار الرُّويانيُّ أنَّ صاحبه ليس بكفءٍ، ولا الحجَّام والحائك والحارس كفئًا لبنت التَّاجر والخيَّاط ونحوهما، ولا المحترف٥ لبنت العالم، ولا الفاسق كفئًا للعفيفة، ولا المبتدع للسُّنِّيَّة.
ولكن الكفاءة عند الجمهور حقٌّ للمرأة والأولياء٦. ثمَّ اختلفوا فقال أصحاب الشَّافعيِّ: هي لمن له ولايةٌ في الحال. وقال أحمد في روايةٍ: حقٌّ