لجميع الأولياء، قريبهم وبعيدهم، فمن لم يرض منهم فله الفسخ. وقال أحمد في روايةٍ ثالثةٍ: إنِّها حقٌّ للَّه، فلا يصحُّ رضاهم بإسقاطه، ولكن على هذه الرِّواية لا تعتبر الحرِّيَّة، ولا اليسار، ولا الصِّناعة، ولا النَّسب، إنَّما يعتبر الدِّين فقط، فإنَّه لم يقل أحمد ولا أحدٌ من العلماء: إنَّ نكاح الفقير للموسرة باطلٌ، وإن رضيت، ولا يقول هو ولا أحدٌ: إنَّ نكاح الهاشميَّة لغير الهاشميِّ١ والقرشيَّة لغير القرشيِّ باطلٌ، وإنَّما نبَّهنا على هذا لأنَّ كثيرًا من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة، هل هي حقٌّ لله أو للآدميِّ؟ ويطلقون مع قولهم إنَّ الكفاءة هي الخصال المذكورة، وفي هذا من التَّساهل وعدم التَّحقيق ما فيه٢، والله أعلم.
فصل
في حكمه ﷺ بثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد
ثبت في «الصَّحيحين» و«السُّنن»٣: أنَّ بريرةَ كاتبت أهلَها، وجاءت تسأل النبيَّ ﷺ في كتابتها، فقالت عائشة: إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فذكرَتْ ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فقال النَّبيُّ ﷺ لعائشة: «اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق»، ثمَّ
(١) «لغير الهاشمي» ليست في ز، د، ب.
(٢) ذكر هذا القول في «الفروع»: (٨/ ٢٣٤) ونسبه لبعض المتأخرين من الأصحاب (يقصد المؤلف) ثم قال: كذا قال! ونقله صاحب «الإنصاف»: (٨/ ١٠٨).
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤)، وأبو داود (٢٢٣١) وما بعده، والترمذي (٢١٢٥، ٢١٢٦)، والنسائي (٣٤٥١، ٤٦٥٦)، وابن ماجه (٢٥٢١) من حديث عائشة ﵂.
خطَبَ النَّاسَ وقال: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، مَن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرطٍ، قضاءُ١ الله أحقُّ، وشَرْط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق». ثمَّ خيَّرها رسول الله ﷺ بين أن تبقى على نكاح زوجها وبين أن تفسخه، فاختارت نفسَها، فقال لها: «إنَّه زوجكِ وأبو وَلدِكِ»، فقالت: يا رسول الله تأمرني بذلك؟ قال: «لا إنَّما أنا شافعٌ»، قالت: فلا حاجة لي فيه، وقال لها إذ خيَّرها: «إن قربك فلا خيار لك»، وأمرها أن تعتدَّ، وتُصُدِّق عليها بلحمٍ، فأكل منه النَّبيُّ ﷺ وقال: «هو عليها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ».
وكان في قصَّة بريرة من الفقه: جواز مُكاتبة المرأة، وجواز بيع المُكاتَب وإن لم يُعَجِّزه سيِّده، وهذا مذهب أحمد المشهور عنه، وعليه أكثر نصوصه. وقال في رواية أبي طالب: لا يطأ مكاتبته، ألا ترى أنَّه لا يقدر أن يبيعها. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشَّافعيُّ٢.
والنَّبيُّ ﷺ أقرَّ عائشةَ على شرائها، وأهلَها على بيعها، ولم يسأل: أعجَزَتْ أم لا، ومجيئها تستعينُ في كتابتها لا يستلزم عجزَها، وليس في بيع المكاتب محذورٌ، فإنَّ بيعَه لا يبطلُ كتابتَه، فإنَّه يبقى عند المشتري كما كان عند البائع، إن أدَّى إليه عَتَق، وإن عَجَز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرِّقِّ كما كان عند بائعه، فلو لم تأتِ السُّنَّة بجواز بيعه، لكان القياس يقتضيه.
وقد ادَّعى غيرُ واحدٍ الإجماعَ القديمَ على جواز بيع المكاتب. قالوا: