بطلانه ومخالفته لحكم الله، كان عاصيًا آثمًا بإقدامه على اشتراطه، فلا فسخ له ولا أَرْش، وهذا أظهر الأمرين في موالي بريرة، والله أعلم١.
فصل
وفي قوله: «إنَّما الولاء لمن أعتق» من العموم ما يقتضي ثبوته لمن أعتق سائبةً٢ أو في زكاةٍ أو كفَّارةٍ أو عتقٍ واجبٍ، وهذا قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايات، وقال في الرِّواية الأخرى: لا ولاء عليه، وقال في الثَّالثة: يردُّ ولاؤه في عتق مثله٣. ويحتجُّ بعمومه أحمد ومَن وافقه في أنَّ المسلم إذا أعتق عبدًا ذمِّيًّا ثمَّ مات العتيق ورثه بالولاء، وهذا العموم أخصُّ من قوله: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ»٤ فيخصِّصه أو يقيِّده، وقال الشَّافعيُّ ومالك وأبو حنيفة: لا يرثه بالولاء إلا أن يموت العبد مسلمًا٥. ولهم أن يقولوا: إنَّ عموم قوله: «الولاء لمن أعتق» مخصوصٌ بقوله: «لا يرث المسلم الكافر».
(١) ينظر في الاختلاف في هذا الحديث ومعناه «معالم السنن»: (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٧) للخطابي، و«إحكام الأحكام»: (٢/ ١٣٦) وافتتحه بقوله: «الكلام على الإشكال العظيم في هذا الحديث»، و«التمهيد»: (٢٢/ ١٨٠ - ١٨١)، و«شرح النووي»: (١٠/ ١٤٠)، و«فتح الباري»: (٥/ ١٩٠ - ١٩١)، و«طرح التثريب»: (٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، و«مجموع الفتاوى»: (٢٩/ ١٢٩ - ١٣٠ و٣٣٧ - ٣٤١)، و«أعلام الموقعين»: (٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٢) أي: على أن لا ولاء له عليه. «شرح النووي»: (١٠/ ١٤١).
وفي القصَّة من الفقه: تخيير الأمة المزوَّجة إذا عَتَقَت١ وزوجها عبدٌ، وقد اختلفت الرِّواية في زوج بريرة، هل كان عبدًا أو حرًّا؟
فقال القاسم عن عائشة: كان عبدًا ولو كان حرًّا لم يخيِّرها٢. وقال عروةُ عنها: كان عبدًا٣. وقال ابن عبَّاسٍ: كان عبدًا أسود يقال له مغيث، عبدًا لبني فلانٍ، كأنِّي أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة٤. وكلُّ هذا في «الصَّحيح».
(١) م، ز، ن: «أعتقت».
(٢) أخرجه مسلم (١٥٠٤/ ١١)، وأخرجه أيضًا (١٥٠٤/ ٩ - ١٣) من طريق عروة بن الزبير عنها ﵁. غير أن قوله: «ولو كان حرًا ...» من كلام عروة؛ كما هو نصُّ رواية النسائي في «الكبرى» (٤٩٩٦، ٥٦١٥).
(٣) أخرجه ابن حزم في «المحلى»: (١٠/ ١٥٤)، وحكى عنه روايتين مختلفتين، وفيما قاله نظر؛ إذ الحقُّ أنه لم يُختلف على عروة عن عائشة أنه كان عبدًا كما قال الدارقطني وغيره، وإن حكى المصنف خلافًا كما سيأتي، والصواب أن الحرية إنما جاءت من طريق الأسود عن عائشة عند البخاري (٦٧٥١، ٦٧٥٤)، وقد أُعلَّتْ بالإدراج، والصحيح أنها من كلام الأسود أو مَن دونه؛ لذا قال البخاري: «قال الأسود: (وكان زوجها حرًا)؛ قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: (رأيته عبدًا) أصح». قال الحافظ: «وعلى تقدير أن يكون موصولًا؛ فتُرجَّح رواية من قال: (كان عبدًا) بالكثرة، وأيضا فآلُ المرء أعرف بحديثه»، كما ترجح أيضًا بشواهدها، ولموافقتها رأيَها في ترك الخيار لمن أُعتقتْ تحت حر. انظر «العلل» للدارقطني: (٩/ ٧٨ - ٨١)، و«الفتح»: (٩/ ٤١٠ - ٤١١).
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٨٠، ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣) من طريق عكرمة عنه.