وفي القصَّة من الفقه: تخيير الأمة المزوَّجة إذا عَتَقَت١ وزوجها عبدٌ، وقد اختلفت الرِّواية في زوج بريرة، هل كان عبدًا أو حرًّا؟
فقال القاسم عن عائشة: كان عبدًا ولو كان حرًّا لم يخيِّرها٢. وقال عروةُ عنها: كان عبدًا٣. وقال ابن عبَّاسٍ: كان عبدًا أسود يقال له مغيث، عبدًا لبني فلانٍ، كأنِّي أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة٤. وكلُّ هذا في «الصَّحيح».
(١) م، ز، ن: «أعتقت».
(٢) أخرجه مسلم (١٥٠٤/ ١١)، وأخرجه أيضًا (١٥٠٤/ ٩ - ١٣) من طريق عروة بن الزبير عنها ﵁. غير أن قوله: «ولو كان حرًا ...» من كلام عروة؛ كما هو نصُّ رواية النسائي في «الكبرى» (٤٩٩٦، ٥٦١٥).
(٣) أخرجه ابن حزم في «المحلى»: (١٠/ ١٥٤)، وحكى عنه روايتين مختلفتين، وفيما قاله نظر؛ إذ الحقُّ أنه لم يُختلف على عروة عن عائشة أنه كان عبدًا كما قال الدارقطني وغيره، وإن حكى المصنف خلافًا كما سيأتي، والصواب أن الحرية إنما جاءت من طريق الأسود عن عائشة عند البخاري (٦٧٥١، ٦٧٥٤)، وقد أُعلَّتْ بالإدراج، والصحيح أنها من كلام الأسود أو مَن دونه؛ لذا قال البخاري: «قال الأسود: (وكان زوجها حرًا)؛ قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: (رأيته عبدًا) أصح». قال الحافظ: «وعلى تقدير أن يكون موصولًا؛ فتُرجَّح رواية من قال: (كان عبدًا) بالكثرة، وأيضا فآلُ المرء أعرف بحديثه»، كما ترجح أيضًا بشواهدها، ولموافقتها رأيَها في ترك الخيار لمن أُعتقتْ تحت حر. انظر «العلل» للدارقطني: (٩/ ٧٨ - ٨١)، و«الفتح»: (٩/ ٤١٠ - ٤١١).
(٤) أخرجه البخاري (٥٢٨٠، ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣) من طريق عكرمة عنه.
وفي «سنن أبي داود»١ عنه٢: كان عبدًا لآل أبي أحمد، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ وقال لها: «إن قَرَبَكِ فلا خيار لك».
وفي «مسند أحمد»٣ عن عائشة أنَّ بريرة كانت تحت عبدٍ، فلمَّا أعتقتها٤، قال لها رسول الله ﷺ: «اختاري، فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد وإن شئت أن تفارقيه».
وقد روي في «الصَّحيح»٥: أنَّه كان حرًّا. وأصحُّ الرِّوايات وأكثرها: أنَّه كان عبدًا، وهذا الخبر رواه عن عائشة ثلاثةٌ: الأسود وعروة والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف عنه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمَّا عروة فعنه روايتان
(١) (٢٢٣٦)، و«سنن الدارقطني» (٣٧٧٥) عن ابن إسحاق مرسلًا وموصولًا؛ فرواه موصولًا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ غير أنه عنعنه وهو مدلس، وقد تابعه شعيب بن إسحاق عند الدارقطني، بسندٍ واهٍ؛ فيه مُتَّهم. ويشهد له حديث الفضل بن الحسن مرفوعًا، وسيأتي تخريجه، وفي الباب عن حفصة وابن عمر موقوفًا عليهما، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (١٩٠٨).
(٢) كذا في الأصول وط الهندية وزاد فيها: «﵁»، والضمير فيه عائد على ابن عباس، وهو سبق قلم! إذ هو بهذا اللفظ عند أبي داود عن عائشة لا ابن عباس، وأما حديثه ففي «الصحيحين»، وقد سبق قريبًا.
(٣) (٢٥٤٦٨)، وأبو يعلى في «المسند» (٤٤٣٦)، والبيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٢٢٠) من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن القاسم، عن عائشة، وأسامةُ حسنُ الحديث، وأخرج له مسلم متابعةً، وقد ثبت تخيير بريرة في الصحيحين كما سبق. وانظر: «الإرواء» (١٨٧٣).
(٤) ح: «اعتقها»!
(٥) من قول الأسود أو مَن دونه، لا من قول عائشة ﵂، كما سبق بيانه.