بالعقد، وهذا مأْخَذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوه١ على أصلهم: أنَّ الطَّلاق معتبرٌ بالنِّساء لا بالرِّجال.
[الثَّالث: ملكها نفسها]٢، ونحن نبيِّن ما في هذه المآخذ.
الأوَّل٣: وهو كمالها تحت ناقصٍ، فهذا يرجع إلى أنَّ الكفاءة معتبرةٌ في الدَّوام كما هي معتبرةٌ في الابتداء، فإذا زالت خُيِّرت المرأة، كما تُخَيَّر إذا بان الزَّوجُ غير كفءٍ لها. وهذا ضعيفٌ لوجهين:
أحدهما: أنَّ شروط النِّكاح لا يعتبر دوامُها واستمرارها، وكذلك توابعه المقارنة لعقده لا يستلزم أن تكون توابع في الدَّوام، فإنَّ رِضى الزَّوجة غير المجبرة شرطٌ في الابتداء دون الدَّوام، وكذلك الوليُّ والشَّاهدان، وكذلك مانع الإحرام والعِدَّة، والزِّنا عند من يمنع نكاح الزَّانية، إنَّما يمنع ابتداء العقد دون استدامته، فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداءُ اشتراط٤ استمرارها ودوامها.
الثَّاني: أنَّه لو زالت الكفاءة في أثناء النِّكاح بفِسْق الزَّوج، أو حدوث عيبٍ موجبٍ للفسخ، لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب، وهو اختيار قدماء الأصحاب، ومذهب مالك. وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث، ويلزمه
(١) ط الهندية: «وبنوا».
(٢) زيادة من ط الهندية، وسبق للمؤلف أنها ثلاثة مآخذ، وسيأتي في الشرح النص على هذا المأخذ الثالث.
(٣) ن: «أما الأول».
(٤) ليست في د، ب.
إثباته بحدوث فِسْق الزَّوج١.
وقال الشَّافعيُّ: إن حدَثَ بالزَّوج ثبت الخيار، وإن حدَثَ بالزَّوجة فعلى قولين٢.
فأمَّا المأخذ الثَّاني: وهو أنَّ عِتْقها أوجبَ للزَّوج عليها ملك طلقةٍ ثالثةٍ فمأخذٌ ضعيفٌ جدًّا، فأيُّ مناسبةٍ بين ثبوت طلقةٍ ثالثةٍ، وبين ثبوت الخيار لها؟ وهل نصبَ الشَّارعُ مِلْك الطَّلقة الثَّالثة سببًا لملك الفسخ، وما يتوهَّم من أنَّها كانت تَبِين منه باثنتين فصارت لا تبين إلا بثلاثة ــ وهو زيادة إمساكٍ وحبسٍ لم يقتضه العقد ــ فاسدٌ، فإنَّه يملك أن لا يفارقها البتَّة، ويمسكها حتَّى يفرِّق الموت بينهما، والنِّكاح عقدٌ على مدَّة العمر، فهو يملك استدامة إمساكها، وعتقها لا يسلبه هذا الملك، فكيف يسلبه إيَّاه ملكه عليها طلقةً ثالثةً، هذا لو كان الطَّلاق معتبرًا بالنِّساء، فكيف والصَّحيح أنَّه معتبرٌ بمن هو بيده وإليه ومشروعٌ في جانبه؟!
وأمَّا المأخذ الثَّالث: وهو ملكها نفسها، فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشَّرع، وأبعدها من التَّناقض، وسِرُّ هذا المأخذ: أنَّ السَّيِّد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكًا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي تمليك الرَّقبة والمنافع للمعْتَق، وهذا مقصودُ العتق وحكمتُه، فإذا ملكَتْ رقبتها ملكَتْ بُضْعها ومنافِعَها، ومن جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلا باختيارها، فخيَّرها الشَّارع بين أن تقيم مع زوجها، وبين أن تفسخَ نكاحَه، إذ قد ملكَتْ