القاسم بن محمَّدٍ، قال: كان لعائشة غلامٌ وجاريةٌ، قالت: فأردت أن أعتقهما، فذكرْتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ابدئي بالغلام قبل الجارية». ولولا أنَّ التَّخيير يمتنع١ إذا كان الزَّوج حرًّا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدةٌ، فإذا بدأت به عَتَقَت تحت حرٍّ، فلا يكون لها اختيارٌ.
وفي «سنن النَّسائيِّ»٢ أيضًا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أيُّما أمةٍ كانت تحت عبد فعَتَقَت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها».
قيل: أمَّا الحديث الأوَّل فقال أبو جعفرٍ العقيليُّ وقد رواه٣: هذا خبرٌ لا يعرف إلا بعبيد الله٤ بن عبد الرحمن بن مَوْهَب، وهو ضعيفٌ.
وقال ابن حزمٍ٥: هو خبرٌ لا يصحُّ. ثمَّ لو صحَّ لم يكن فيه حجَّةٌ؛ لأنَّه
(١) في المطبوع: «يمنع» خلاف النسخ.
(٢) في «الكبرى» (٤٩٣٧)، ومن طريقه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٣٨١) من حديث الحسن بن عمرو بن أمية، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ، وسنده ضعيف؛ لجهالة الحسن وضعف ابن لهيعة؛ لذا ضعفه المصنف هنا. وقد روي الحديث مرسلًا وموصولًا؛ ومدار الموصول على ابن لهيعة؛ إلا أنه جاء عند الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٣٨٢) من طريق ابن وهب عنه، وهو صحيح السماع منه. انظر «مجمع الزوائد»: (٤/ ٣٤١).
(٣) في «الضعفاء»: (٣/ ١٢٠)، والظاهر أن المؤلف صادر عن ابن حزم في «المحلى»: (١٠/ ١٥٥).
(٤) في النسخ وط الهندية: «عبد الله». وذكر في «تهذيب الكمال»: (١٩/ ٨٤ - ٨٥)، و«تهذيب التهذيب»: (٧/ ٢٨) أنه يقال في اسمه: عبد الله، والظاهر أن ما في النسخ هنا تصحيف من النسّاخ، فلم نثبته في متن الكتاب. والمثبت من كتاب العقيلي و«المحلّى» وكتب الرجال: «التاريخ الكبير»: (٥/ ٣٨٩)، و«الجرح والتعديل»: (٥/ ٣٢٣).
(٥) في «المحلى»: (١٠/ ١٥٥).
ليس فيه أنَّهما كانا زوجين، بل قال: كان لها عبدٌ وجاريةٌ. ثمَّ لو كانا زوجين لم يكن في أمره لها بعتق العبد أوَّلًا ما يسقط خيارَ المعتَقَةِ تحت الحرِّ، وليس في الخبر أنَّه أمرها بالابتداء بالزَّوج لهذا المعنى، بل الظَّاهر أنَّه أمرها بأن تبدأ١ بالذَّكَر لفَضْل عِتْقه على الأنثى، وأنَّ عِتْق أُنثيين يقوم مقام عتق ذَكَرٍ، كما في الحديث الصَّحيح مبيَّنًا٢.
وأمَّا الحديث الثَّاني: فضعيف لأنَّه من رواية حسن بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهولٌ. فإذا تقرَّر هذا وظهرَ حكمُ الشَّرع في إثبات الخيار لها، فقد روى الإمام أحمد٣ بإسناده عن النَّبيِّ ﷺ: «إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقَتْه، وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه».
ويستفاد من هذا قضيَّتان:
إحداهما: أنَّ خيارها على التَّراخي ما لم تُمَكِّنه مِن وَطْئها، وهذا مذهب
(١) م، ط الهندية: «تبتدئ»، ون: «بالابتداء».
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٦٧)، وابن ماجه (٢٥٢٢)، وأحمد (١٨٠٥٩) من حديث كعب بن مرة، فيه ضعف. وأخرجه الترمذي (١٥٤٧) من حديث أبي أمامة وقال: حسن صحيح غريب.
(٣) في «المسند» (١٦٦١٩، ١٦٦٢٠، ٢٣٢٠٩)، من حديث الفضل بن عمرو بن أمية، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، وسنده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة، وقد اضطرب فيه. لكن أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٣٨٢) من طريق ابن وهب عنه ــ وهو صحيح السماع منه ــ عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري، قال: سمعت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يتحدَّثون، فذكر نحوه إلا أنه قيَّده بكونها تحت عبدٍ، وله طرق أخرى لا تخلو من ضعف أيضًا. ويشهد لمطلق التخيير ما قبله.