وإذا قلنا: العلَّة ملكها نفسها فلا أثر لذلك، فإن طلَّقها طلاقًا رجعيًّا فعتَقَت في عدَّتها، فاختارت الفسخَ بطلت الرَّجعة، وإن اختارت المقام معه صحَّ وسقط اختيارُها للفسخ؛ لأنَّ الرَّجعيَّة كالزَّوجة.
وقال الشَّافعيُّ وبعض أصحاب أحمد١: لا يسقطُ خيارُها إذا رضيت بالمقام دون الرَّجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يصحُّ اختيارها في زمن الطَّلاق، فإنَّ الاختيارَ في زمنٍ هي فيه صائرةٌ إلى بينونةٍ ممتنعٌ.
فإذا راجعها صحَّ حينئذٍ أن تختاره وتقيم معه؛ لأنَّها صارت زوجةً، وعَمِل الاختيارُ عمَلَه، وترتَّب أثرُه عليه.
ونظير هذا إذا ارتدَّ زوجُ الأَمَة بعد الدُّخول، ثمَّ عَتَقَت في زمن الرِّدَّة، فعلى القول الأوَّل لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارَتْه ثمَّ أسلم سقط مُلكها للفسخ، وعلى قول الشَّافعيِّ٢: لا يصحُّ لها خيارٌ قبل إسلامه؛ لأنَّ العقد صائرٌ إلى البطلان. فإذا أسلم صحَّ خيارها.
فإن قيل: فما تقولون إذا طلَّقها قبل أن تفسخ هل يقع الطَّلاق أم لا؟
قيل: نعم يقع، لأنَّها زوجةٌ، وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطَّلاق، فإن فسخت تبيَّنَّا٣ أنَّه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبيَّنَّا وقوعه٤.
(٤) ينظر «نهاية المطلب»: (١٢/ ٤٧٧)، وهو نصّ الشافعي في «الأم»: (٦/ ٦٣٨): «أن الطلاق موقوف، فإن ثبتت عنده وقع، وإن فسخت النكاح سقط».
فإن قيل: فما حكم المهر إذا اختارت الفسخَ؟
قيل: إمَّا١ أن تفسخ قبل الدُّخول أو بعده. فإن فسخت بعده لم يسقط المهرُ وهو لسيِّدها سواءٌ فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان هما روايتان عن أحمد، أحدهما: لا مهر لأنَّ الفرقة من جهتها، والثَّاني: يجب نصفه، ويكون لسيِّدها لا لها.
فإن قيل: فما تقولون في المعْتَق نصفُها هل لها خيارٌ؟ قيل: فيه قولان، وهما روايتان٢، فإن قلنا: لا خيار لها٣ فزوّجَ٤ مُدَبَّرةً له لا يملك غيرها وقيمتها مائةٌ بعبدٍ٥ على مائتين مهرًا ثمَّ مات، عتَقَت ولم تملك الفسخَ قبل الدُّخول، لأنَّها لو ملكته سقط المهر أو تنصّف٦، فلم تخرج من الثُّلث فيرقَّ بعضها، فيمتنع الفسخ٧، بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنَّها تخرج من الثُّلث فتعتق جميعها.
فصل
وفي قوله ﷺ: «لو راجعتِه»، فقالت: أتأمرني؟ فقال: «لا، إنَّما أنا شافعٌ»،
(١) ب: «لا يخلو إما ...».
(٢) في ط الفقي والرسالة زيادة: «عن أحمد» ولا وجود لها في النسخ ولا في ط الهندية.
(٣) ب زيادة: «لا خيار لها فلا مهر. وإن قلنا: لها الخيار وجب بحسابه، وكان لسيدها، ولو تزوج مدبَّرة ...».
(٤) ز: «فيزوج»، وب: «تزوج». وفي ط الفقي والرسالة: «كزوج»!