زاد المعاد

وفي النَّسائيِّ١: «أنَّ أبا طلحة خطبَ أمَّ سُليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُردُّ، ولكنَّك رجلٌ كافرٌ وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجك، فإن تُسْلِم فذاك مهري لا٢ أسالك غيرَه. فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعنا بامرأةٍ قطُّ كانت أكرم مهرًا من أمِّ سُليم، فدخل بها٣، فولدت له.

فتضمَّن هذا٤: أنَّ الصَّداق لا يتقدَّر أقلُّه، وأنَّ قبضة السَّويق وخاتم الحديد والنَّعلين يصحُّ تسميتها مهرًا وتحلُّ بها الزَّوجة.

وتضمَّن أنَّ المغالاة في المهر مكروهةٌ في النِّكاح، وأنَّها من قلَّة بركته وعُسره.

وتضمَّن أنَّ المرأة إذا رضيت بعِلْم الزَّوج وحِفْظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صَداقها، كما إذا جعَلَ السَّيِّدُ عِتْقَها صَدَاقها، وكان انتفاعها بحرِّيَّتها وملكها لرقبتها هو

  1. (١) «المجتبى» (٣٣٤١) و«الكبرى» (٥٤٧٨) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ﵁، وقد صحح الحديث ابن حبان (٧١٨٧)، وذكره الضياء في «المختارة» (١٦٠٨)، إلا أن الحافظ العراقي في «طرح التثريب»: (٢/ ٢٧) قد أَعلَّ قولَها: «ولا يحل لي أن أتزوجك» بالشذوذ والمخالفة؛ إذ تحريم المسلمات على الكفار متأخر عن هذه الخِطْبة.
  2. (٢) ز، د، ب: «ولا».
  3. (٣) في جميع النسخ وط الهندية: «فدخلت به»، وفي جميع مصادر الحديث كما هو مثبت، فلعله سبق قلم من المؤلف أو الناسخ.
  4. (٤) ن: «هذا الحكم» وكان مكتوبًا مكانها كلمة أخرى ثم حُكّت وكتب «الحكم». وفي المطبوع: «هذا الحديث».
248

صداقها، وهذا هو الذي اختارته أم سُليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة، وبذلها نفسها له إن أسلم، وهذا١ أحبُّ إليها من المال الذي يبذله الزَّوج.

فإنَّ الصَّداق شُرِع في الأصل حقًّا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدِّين وإسلام الزَّوج وقراءته للقرآن= كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلِّها، فما خلا العقدُ عن مهرٍ، وأين الحكمُ بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرةٍ من النَّصِّ والقياس إلى الحكم بصحَّة كون المهر ما ذكرنا نصًّا وقياسًا؟!

وليس هذا مسوِّيًا٢ بين هذه المرأة وبين الموهوبة التي وهبت نفسَها للنَّبيِّ ﷺ، وهي خالصةٌ له من دون المؤمنين، فإنَّ تلك وهبت نفسَها هبةً مجرَّدةً عن وليٍّ وصداقٍ، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّه نكاحٌ بوليٍّ وصَداقٍ، وإن كان غير ماليٍّ، فإنَّ المرأة جعلته عِوَضًا عن المال لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسَها للزَّوج هبةً مجرَّدةً كهبة شيءٍ من مالها، بخلاف الموهوبة التي خصَّ الله بها رسوله. هذا مقتضى هذه الأحاديث.

وقد خالف في بعضه مَن قال: لا يكون الصَّداق إلا مالًا، ولا تكون منافع الحُرِّ٣ ولا عِلْمه ولا تعليمه صَداقًا، كقول أبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه٤.

  1. (١) ب: «وكان هذا».
  2. (٢) د، م، ط الهندية: «مستويا».
  3. (٣) ط الهندية: «أخر»، وط الفقي والرسالة: «أخرى»، تصحيف.
  4. (٤) ينظر «بدائع الصنائع»: (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، و«المغني»: (١٠/ ١٠٣)، و«الإنصاف»: (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
249

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي