فقال: إنِّي طلَّقتها ثلاثًا يا رسول اللَّه. قال: «قد علمتُ أرْجعها١»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾[الطَّلاق: ١].
ولا علَّة لهذا الحديث إلا رواية ابن جُرَيجٍ له عن بعض بني أبي رافعٍ، وهو مجهولٌ، ولكن هو تابعيٌّ، وابنُ جريجٍ من الأئمَّة الثِّقات العدول، ورواية العدل عن غيره تعديلٌ له ما لم يُعْلَم فيه جرحٌ، ولم يكن الكذب ظاهرًا في التَّابعين، ولا سيَّما التَّابعين من أهل المدينة، ولا سيَّما موالي رسول الله ﷺ، ولا سيَّما مثل هذه السُّنَّة التي تشتدُّ حاجة المسلمين٢ إليها، لا يُظَنُّ بابن جُرَيج أنَّه حمَلَها عن كذَّابٍ ولا عن غير ثقةٍ عنده ولم يبيِّن حاله.
وجاء التَّفريق بالعُنَّة عن عمر٣ وعثمان٤ وعبد الله بن مسعودٍ٥
(١) ن، و«السنن»: «راجعها».
(٢) المطبوع: «الناس» خلاف النسخ.
(٣) عند ابن أبي شيبة (١٦٥٠٢)، والدارقطني في «السنن» (٣٨١١) من طريق ابن المسيب قال: «قضى عمر في العنّين أن يؤجّل سنة»، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٦٤٩٢) من طريق الحسن عنه: «يؤجَّل العنِّين سنة فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما»، وفي (١٦٥٠٣، ١٦٥٠٧) من طريق الشعبي: «أن عمر كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرفع إليه؛ فإن استطاعها وإلا فخيِّرها».
(٤) لم أقف عليه ولا على من عزاه إليه، ولعله سبق قلمٍ صوابُه: (علي)، وقد أخرج أثره عبد الرزاق (١٠٧٢٥) بسند ضعيف من طريق الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عنه؛ الحسن ضعيف متروك، والحكم لم يدرك عليًّا. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٦٤٨٩) من طريق الضحاك بن مزاحم عنه، وضعفه الحافظ في «الدراية»: (٢/ ٧٧) للانقطاع بين الضحاك وعلي، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس. وأخرجه سعيد بن منصور (٢٠٢٠) من طريق هانئ بن هانئ، وهو مستور.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٢٣)، وابن أبي شيبة (١٦٤٩٠)، والطبراني في «الكبير» (٩٧٠٤) من طريق الركين بن الربيع، عن أبيه، وحصين بن قبيصة عنه قال: «يؤجَّل العنِّين سنة، فإن وصل إليها وإلا فرق بينهما، ولها الصداق»، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (٤/ ٣٠١): «رجاله رجال الصحيح خلا حصين بن قبيصة، وهو ثقة».
وسَمُرة بن جُنْدبٍ ومعاوية بن أبي سفيان١
والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة٢ والمغيرة بن شعبة٣. لكنَّ عمر وابن مسعودٍ والمغيرة أجَّلوه سنةً، وعثمان ومعاوية وسَمُرة لم يؤجِّلوه، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أجَّله عشرة أشهرٍ.
وذكر سعيد بن منصورٍ٤: حدَّثنا هُشَيم، أنبأنا عبد الله بن عون٥، عن
(١) أخرج أثرَهما ابنُ المنذر في «الأوسط»: (٨/ ٤٤٨)، والبيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٢٢٨)، من طريق عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه قال: «أتت امرأةٌ سمرةَ فذكرتْ وعرَّضتْ أن زوجها لا يصل إليها، فدعا زوجَها فأنكر ذلك، وزعم أنه يصل إليها، فكتب سمرة في ذلك إلى معاوية، وذكر قصة ... وفي آخرها قال سمرة: خلِّ سبيلها يا مخضخض». وسنده حسن، وعيينة وثقه ابن معين والنسائي ..
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٠١٦)، وابن أبي شيبة (١٦٤٩٣) من طريق هشيم عن مغيرة عن الشعبي عنه: «أنه أجَّل رجلًا لم يصل إلى أهله عشرة أشهر». والظاهر اتصال سنده؛ فالشعبي ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، وتوفي الحارث قبيل سنة (٧٠ هـ).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٧٥١)، والدارقطني (٣٨١٥) بسند جيِّد من طريق الرُّكين، عن أبي حنظلة النعمان عنه، (كذا في «المصنَّف»، ولعل الصواب: ابن)، والنعمان بن حنظلة وثقه العجلي وابن حبان، وحسَّن إسنادَ حديثٍ له ابن المديني، وانظر: «الإرواء» (١٩١١).
(٤) (٢٠٢١)، وكذا عبد الرزاق (١٠٣٤٦) من طريقين عن ابن سيرين، وهو منقطع؛ فابن سيرين لم يدرك عمر، إلا أن ابن حزم رواه في «المحلى»: (٩/ ٢٠٧) معلَّقًا عن سعيد عن هشيم عن ابن عون عن ابن سيرين عن أنس عن عمر، فإن كان محفوظًا فإسناده صحيح.
(٥) في النسخ والمطبوعات: «عوف»، تصحيف. والمثبت هو الصواب كما في «سنن سعيد»، و«المحلَّى». وهو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، أبو عون البصري (ت ١٥٠) من سادات العلماء. ينظر «التاريخ الكبير»: (٥/ ٣٨٨)، و«تهذيب التهذيب»: (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٨).