رجلٌ إلى شريح، فقال: إنَّ هؤلاء قالوا لي: إنَّا نزوِّجك أحسن النَّاس، فجاءوني بامرأةٍ عمشاء، فقال شريح: إن كان دلِّس لك بعيبٍ لم يجز، فتأمَّل هذا القضاء، وقولَه: إن كان دلِّس لك بعيبٍ، كيف يقتضي أنَّ كلَّ عيبٍ دُلِّسَت به المرأة فللزَّوج الرَّدُّ به.
وقال الزُّهريُّ: يردُّ النِّكاح من كلِّ داءٍ عضالٍ١.
ومن تأمَّل فتاوى الصَّحابة والسَّلف علم أنَّهم لم يخصُّوا الرَّدَّ بعيبٍ دون عيبٍ إلا روايةً رويت عن عمر: لا تُرَدُّ النِّساء إلا من العيوب الأربعة: الجنون والجُذام والبَرَص والدَّاء في الفرج٢. وهذه الرِّواية لا نعلم لها إسنادًا أكثر من «أصبغ عن ابن وهب عن عمر وعلي».
وقد روي عن ابن عبَّاسٍ ذلك بإسنادٍ متَّصلٍ، ذكَرَه سفيان عن عمرو بن دينارٍ عنه٣.
(١) ذكره في «المحلى»: (١٠/ ١١٢)، و«الاستذكار»: (٥/ ٤٢١)، و«التمهيد»: (١٦/ ٩٧).
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى»: (١٠/ ١١٣)، ولم يذكر له إسنادًا غير ما ذكره المصنف؛ وهو منقطع.
(٣) أخرجه البيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٢١٥) من طريق روح بن القاسم، وشعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء جابر بن زيد، عنه. وفي سنده يحيى بن أبي طالب، قال الدارقطني: «لا بأس به عندي، ولم يطعن فيه أحد بحجة»، وبقية رجاله ثقات. تنبيه: لم نقف على أثر ابن عباس من طريق ابن عيينة الذي ذكره المصنف تبعًا لابن حزم؛ ولعله سهوٌ، والثابت رواية سفيان عن عمرو عن أبي الشعثاء مقطوعًا، كما عند عبد الرزاق (١٠٦٧٥)، والبيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٢١٥).
هذا كلُّه إذا أطْلَق الزَّوجُ، وأمَّا إذا شرَط السَّلامةَ أو شرَط الجمالَ فبانت شوهاء، أو شرَطَها شابَّةً حديثةَ السِّنِّ فبانت عجوزًا شمطاء، أو شرَطَها بيضاء فبانت سوداء، أو بكرًا فبانت ثيِّبًا؛ فله الفسخ في ذلك كلِّه.
فإن كان قبل الدُّخول فلا مهر، وإن كان بعده فلها المهر، وهو غُرْمٌ على وليِّها إن كان غرَّه، وإن كانت هي الغارَّة سقط مهرُها أو رجع عليها به إن كانت قبضَتْه، ونصَّ على هذا أحمدُ في إحدى الرِّوايتين عنه١، وهي أقْيَسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزَّوج هو المشترِط.
وقال أصحابه: إذا شرطَتْ فيه صفةً فبان بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط الحرِّيَّة إذا بان عبدًا، فلها الخيار. وفي شرط النَّسب إذا بان بخلافه وجهان، والَّذي يقتضيه مذهبه وقواعده: أنَّه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها، بل إثبات الخيار لها إذا فات ما اشترطَتْه أولى؛ لأنَّها لا تتمكَّن من المفارقة بالطَّلاق، فإذا جاز له الفسخ مع تمكُّنه من الفراق بغيره، فلَأَن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكُّنها أولى.
وإذا جاز لها أن تفسخ٢ إذا ظهر الزَّوج ذا صناعةٍ دنيئةٍ لا تشينه في دينه ولا في عرضه، وإنَّما تمنع كمال استمتاعها ولذَّتها٣ به، فإذا شرَطَتْه شابًّا جميلًا صحيحًا، فبان شيخًا مشوَّهًا أعمى أطرش أخرس أسود، فكيف تُلزَم به وتُمنَع من الفسخ؟! هذا في غاية الامتناع والتَّناقض والبعد عن القياس وقواعد الشَّرع. وباللَّه التَّوفيق.