لكما من خادمٍ». قال عليّ: فما تركتُها بعْدُ، قيل: ولا ليلة صِفِّين؟ قال: ولا ليلة صفِّين.
وصحَّ عن أسماء أنَّها قالت: كنتُ أخْدُم الزبيرَ خدمةَ البيتِ كلِّه١، وكان له فرسٌ وكنت أسوسُه، كنت أحشُّ٢ له وأقوم عليه٣.
وصحَّ عنها أنَّها كانت تعلف فرسَه، وتسقي الماء، وتخْرِز الدَّلو، وتعجن، وتنقل النَّوى على رأسها من أرضٍ له على ثلثي فرسخٍ٤.
فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفةٌ من السَّلف والخلف خدمَتَها له في مصالح البيت، وقال أبو ثورٍ: عليها أن تخدم زوجها في كلِّ شيءٍ.
ومنعت طائفةٌ وجوبَ خدمته عليها في شيءٍ، وممَّن ذهب إلى ذلك الشَّافعيُّ٥ وأبو حنيفة وأهل الظَّاهر٦، قالوا: لأنَّ عقد النِّكاح إنَّما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنَّما تدلُّ على التَّطوُّع ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟
(١) كذا في النسخ والمطبوع، ولا وجود لكلمة «كله» في مصادر الحديث.
(٢) كذا في الأصول الخطية وط الهندية، وفي مصادر الحديث وط الفقي والرسالة: «احتشّ».
(٣) أخرجه مسلم (٢١٨٢).
(٤) أخرجه البخاري (٣١٥١، ٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢/ ٣٤).
(٥) ط الفقي والرسالة: «مالك والشافعي» ولا وجود لـ «مالك» في النسخ ولا ط الهندية، ووقع في الأخيرة: «أبو حنيفة والشافعي ...».
(٦) ينظر «البيان»: (٩/ ٥٠٨)، و«المبسوط»: (١٥/ ٢٣٢)، و«المغني»: (١٠/ ٢٢٥)، و«المحلى»: (١٠/ ٧٣). وهو قول أحمد نص عليه في «المغني».
واحتجَّ مَن أوجب الخدمةَ بأنَّ هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأمَّا ترفيه المرأة وخدمة الزَّوج وكنسه وطبخه١ وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمِن المنكر٢، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾[النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة بل يكون هو الخادم لها فهي القوَّامة عليه.
وأيضًا: فإنَّ المهر في مقابلة البُضْع، وكلٌّ من الزَّوجين يقضي وطرَه مِن صاحبه، فإنَّما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة انتفاعه في الاستمتاع٣ بها وخدمَتِها، وما جرت به عادة الأزواج.
وأيضًا فإنَّ العقود المطلقة إنَّما تُنَزَّل على العُرف٤، والعُرفُ خدمةُ المرأة وقيامها بمصالح البيت الدَّاخلة. وقولهم: إنَّ خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرُّعًا وإحسانًا٥ = يردُّه أنَّ فاطمة كانت تشتكي ما تلقى مِن الخِدْمة، فلم يقل لعلي: لا خدمةَ عليها، وإنَّما هي عليك، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولمَّا رأى أسماء والعلف على رأسها والزبيرُ معه، لم يقل له: لا خدمةَ عليها٦، وأنَّ هذا ظلمٌ لها، بل أقرَّه على استخدامها، وأقرَّ سائرَ
(١) المطبوع: «وطحنه».
(٢) يعني إيجابه على الرجل من المنكر عند الناس غير المعروف في عرفهم.
(٣) المطبوع: «في مقابلة استمتاعه بها» خلاف النسخ.
(٤) ب: «العادة».
(٥) ب: «واحتسابًا».
(٦) بعده في د، ب: «وإنما هي عليك» وليست في سائر النسخ.