أصحابه على استخدام أزواجهم، مع علمه بأنَّ منهنَّ الكارهةَ والرَّاضيةَ، هذا أمرٌ لا ريب فيه.
ولا يصحُّ التَّفريق بين شريفةٍ ودنيئةٍ وفقيرةٍ وغنيَّةٍ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدُم زوجَها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمَّى النَّبيُّ ﷺ في الحديث الصَّحيح المرأةَ عانيةً، فقال: «اتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّهنَّ عوانٍ عندكم»١.
والعاني: الأسير، ومرتبةُ الأسير خدمةُ من هو تحت يده، ولا ريب أنَّ النِّكاح نوعٌ من الرِّقِّ، كما قال بعض السَّلف٢: النِّكاح رقٌّ فلينظر أحدُكم عند مَن يُرِقُّ كريمتَه.
ولا يخفى على المنصف الرَّاجح من المذهَبَين والأقوى من الدَّليلين، والله أعلم٣.
(١) سبق تخريجه.
(٢) نُسب إلى عائشة وأسماء وعمر ﵁، قال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (ص ٤٧٩): «رواه أبو عمر التوقاني في «معاشرة الأهلين» موقوفًا على عائشة وأسماء ابنتيْ أبي بكر، قال البيهقي: وروي ذلك مرفوعًا، والموقوف أصح». وحديث أسماء رواه سعيد بن منصور (٥٩١) من طريق عروة بن الزبير قال: قالت لنا أسماء بنت أبي بكر: «يا بَنيَّ وبَنيْ بَنيَّ، إن هذا النكاح رقٌّ، فلينظرْ أحدكم عند من يُرقُّ كريمتَه»، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقد عزاه شيخ الإسلام في «الفتاوى»: (٢٩/ ١٨٤ و٣٢/ ١٨٤) إلى عمر.
روى أبو داود في «سننه»٢ من حديث عائشة: أنَّ حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، فضربها فكسر بعضها، فأتت النبيَّ ﷺ بعد الصُّبح، فدعا النَّبيُّ ﷺ ثابتًا فقال: «خُذْ بعضَ مالها وفارقها»، فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: «نعم»، قال: فإنِّي أصْدَقْتُها حديقتين، وهما بيدها، فقال النَّبيُّ ﷺ: «خذهما وفارقها»، ففعل.
وقد حَكَم تعالى بين الزَّوجين يقع الشِّقاق بينهما بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾[النساء: ٣٥].
وقد اختلف السَّلف والخلف في الحَكَمَين: هل هما حاكمان أو وكيلان؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهما وكيلان، وهذا قول أبي حنيفة، والشَّافعيِّ في قولٍ، وأحمد في روايةٍ٣.
(١) ب: «فصل في حكم ...».
(٢) (٢٢٢٨)، وكذا البيهقي: (٧/ ٣١٥) من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة ﵂، وسنده صحيح، وله شواهد ستأتي، من حديث حبيبة بنت سهل، والرُّبيِّع بنت معوِّذ، وابن عباس ﵁.