وقال الزُّهريُّ: لا يحلُّ له أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها١.
وقال ميمون بن مهران: مَن أخذ منها أكثر ممَّا أعطاها لم يُسَرِّح بإحسانٍ٢.
وقال الأوزاعيُّ: كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها شيئًا إلا ما ساق إليها٣.
والَّذين جوَّزوه احتجُّوا بظاهر القرآن وآثار الصَّحابة، والَّذين منعوه احتجُّوا بحديث أبي الزبير: أنَّ ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ لمَّا أراد خَلْع امرأته قال النَّبيُّ ﷺ: «أتَرُدِّين عليه حديقته؟». قالت: نعم وزيادةً. فقال النَّبيُّ ﷺ: «أمَّا الزِّيادة فلا»٤. قال الدَّارقطنيُّ: سمعه أبو الزبير من غير واحدٍ، وإسناده صحيحٌ.
قالوا: والآثار عن٥ الصَّحابة مختلفةٌ، فمنهم مَن رُوي عنه تحريم الزِّيادة، ومنهم مَن رُوي عنه إباحتها، ومنهم مَن رُوي عنه كراهتها، كما روى
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٨١٥)، ومن طريقه الطبري في «التفسير»: (٤/ ٥٧٥)، عن معمر عنه، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨٨٣٥) من طريق محمد بن يزيد، عن سفيان بن حسين عنه. وسفيان ثقة في غير الزهري.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٨٤٠) من طريق عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان عنه. وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري في «التفسير»: (٤/ ٥٧٤) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن بشر بن بكر عنه. وسنده صحيح. وانظر «الاستذكار»: (١٧/ ١٧٨).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) ح، د: «من».
وكيعٌ، عن أبي حنيفة، عن عمار بن عمران١ الهمْداني، عن أبيه، عن عليّ: أنَّه كره أن يأخذ منها أكثر ممَّا أعطاها٢، والإمام أحمد أخذ بهذا القول ونصَّ على الكراهة٣، وأبو بكر من أصحابه حرَّم الزِّيادة وقال: تردُّ عليها٤.
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة؛ ولعل الصواب «عمار بن عبد الله»، كما سيأتي تحقيقه في تخريجه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٨٤١)، وهو في «مسند أبي حنيفة» (٦٢٠)، ونَسَب فيه عمارًا إلى عبد الله، ولعله الصواب؛ فإني لم أقف على من اسمه عمار بن عمران في شيوخ أبي حنيفة، أما عمار بن عبد الله فقد عدَّه أبو نعيم في «المسند» (ص ٢٠٧) من شيوخه، ويؤكده قولُ الحافظ في «تعجيل المنفعة»: (٢/ ٣١): «عمار أو عمارة بن عبد الله بن يسار الجهنيّ الكوفي، روى عن أبيه، روى عنه أبو حنيفة» وهو هنا كذلك، ثم وقفتُ على أثرٍ آخرَ عند عبد الرزاق (٨٠٧٤)، وابنِ أبي شيبة (٩٧٨٤) بإسنادِه هذا نفسِه مع تسميته باسمه كاملًا (عمار بن عبد الله بن يسار)، فظهر صواب التصويب، ولله الحمد. وعمارٌ هذا روى عنه جماعة، وسئل عنه أحمد فلم يقل شيئًا! وذكره ابن حبان في «الثقات»: (٧/ ٢٨٤)، ونقل توثيقَه الحافظُ ولم يُعقِّب. وأما أبوه فتابعي ثقة، وثبت في ترجمته روايتُه عن عليٍّ، وروايةُ ابنه عنه، كما في «تهذيب الكمال»: (١٦/ ٣٢٦). وعلى هذا فالأثر صحيح. هذا ولم أهتدِ لوجه نسبة عمار إلى (همْدان) وهو (جهنيٌّ) كما في ترجمته! فهل هو لنزوله منازلهم؟ أو لولاء حِلْفٍ؟ أو من باب تداخل النِّسَب في الأسماء المشتبهة؟ أو تصحيف!
(٣) ينظر «مسائل الكوسج»: (٤/ ١٩٧١).
(٤) ينظر: «الهداية» (ص ٤١٦)، و«المغني»: (١٠/ ٢٦٩). وأبو بكر هو عبد العزيز بن جعفر غلام الخلّال.