زاد المعاد

القلمَ رُفِعَ عن ثلاثٍ: عن المجنون حتَّى يفيق، وعن الصَّبيِّ حتَّى يدرك، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ».

وفي «الصَّحيح»١ عنه ﷺ: «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثَتْ به أنفسَها ما لم تكَلَّمْ أو تعمل به».

فتضمَّنت هذه السُّنن: أنَّ ما لم ينطق به اللِّسان من طلاقٍ أو عتاقٍ أو يمينٍ٢ أو نذرٍ ونحو ذلك= عفوٌ غير لازمٍ بالنِّيَّة والقصد، وهذا قول الجمهور، وفي المسألة قولان آخران:

أحدهما: التَّوقُّف فيها، قال عبد الرزاق٣ عن معمر: سُئل ابن سيرين عمَّن طلَّق في نفسه؟ فقال: أليس قد علم الله ما في نفسك؟ قال: بلى. قال: فلا أقول فيها شيئًا.

والثَّاني: وقوعه إذا جزم عليه، وهذا رواية أشهب عن مالك٤، وروي

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁ .
  2. (٢) في النسخ: «أو نهي» والظاهر أنه تصحيف، ووقوعه بين «نهي» و«يمين» قريب. والمثبت من ط الهندية وغيرها، وانظر: «أعلام الموقعين»: (٣/ ٥٨٢ وما بعدها، ٤/ ٤٧٦ - ٤٨٣).
  3. (٣) في «المصنف» (١١٤٣٢)، وسنده صحيح.
  4. (٤) ينظر «النوادر والزيادات»: (٤/ ١٥٤).
287

عن الزُّهريِّ١.

وحجَّة هذا القول قوله ﷺ: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات»٢، وأنَّ من كَفَر في نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وأنَّ المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخذٌ وإن لم يفعلها، وبأنَّ أعمال القلوب في الثَّواب والعقاب كأعمال الجوارح، ولهذا يُثاب على الحبِّ والبغض والموالاة والمعاداة في اللَّه، وعلى التَّوكُّل والرِّضى والعزم على الطَّاعة، ويعاقَب على الكبر والحسد والعُجْب والشَّكِّ والرِّياء وظنِّ السَّوء بالأبرياء.

ولا حجَّة في شيءٍ من هذا على وقوع الطَّلاق والعتاق بمجرَّد النِّيَّة من غير تلفُّظٍ.

أمَّا حديث «الأعمال بالنِّيَّات» فهو حجَّةٌ عليهم؛ لأنَّه أخبر فيه أنَّ العمل مع النِّيَّة هو المعتبر، لا النِّيَّة وحدها.

وأمَّا من اعتقد الكفرَ بقلبه أو شكَّ، فهذا٣ كافرٌ لزوال الإيمان الذي هو عَقْد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرًا، فإنَّ الإيمان أمرٌ وجوديٌّ ثابتٌ قائمٌ بالقلب، فما لم يقم بالقلب حصل ضدُّه وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فُقِد العلم حصل الجهل، وكذلك كلُّ

  1. (١) ذكره الخطابي في «المعالم»: (٣/ ٢٤٨)، والبغوي في «شرح السنة»: (٩/ ٢١٣)، والحافظ في «الفتح»: (٩/ ٣٩٤) من غير إسناد.
  2. (٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁ .
  3. (٣) المطبوع: «فهو».
288

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي