وأمَّا الآية فليس فيها أنَّ المحاسبةَ بما يخفيه العبدُ إلزامه بأحكامه في الشَّرع١، وإنَّما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه، ثمَّ هو مغفورٌ له أو معذَّبٌ، فأين هذا من وقوع الطَّلاق بالنِّيَّة؟!
وأمَّا أنَّ المصرَّ على المعصية فاسقٌ مؤاخَذٌ، فهذا إنَّما هو فيمن عَمِل المعصيةَ ثمَّ أصرَّ عليها، فهنا عملٌ اتَّصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصرُّ، وأمَّا مَن عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين: إمَّا أن لا تُكْتَب عليه، وإمَّا أن تُكتَب٢ له حسنة إذا تركها لله ﷿.
وأمَّا الثَّواب والعقاب على أعمال القلوب فحقٌّ، والقرآنُ والسُّنَّة مملوءان به، ولكنَّ وقوع الطَّلاق والعتاق بالنِّيَّة من غير تلفُّظٍ أمرٌ خارجٌ عن الثَّواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإنَّ ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاصٍ قلبيَّةٌ يستحقُّ العقوبة عليها، كما يستحقُّه على المعاصي البدنيَّة إذ هي منافيةٌ لعبوديَّة القلب، فإنَّ الكبر والعُجْب والرِّياء وظنَّ السَّوء محرَّماتٌ على القلب، وهي أمورٌ اختياريَّةٌ يمكن اجتنابها، فيستحقُّ العقوبة على فعلها، وهي أسماءٌ لمعاني٣ مسمَّياتُها قائمةٌ بالقلب.
وأمَّا الطَّلاق والعتاق فاسمان لمسمَّيين قائمين باللِّسان، أو ما ناب عنه من إشارةٍ أو كتابةٍ، وليسا اسمين لما في القلب مجرَّدًا عن النُّطق.
(١) في المطبوع: «بالشرع» خلاف النسخ.
(٢) ح، م: «يكتب» في الموضعين.
(٣) م: «لها معاني».
وتضمَّنت١ أنَّ المكلَّف إذا هَزَل بالطَّلاق أو النِّكاح أو الرَّجعة لزمه ما هَزَل به، فدلَّ ذلك على أنَّ كلام الهازل معتبرٌ وإن لم يُعتَبَر كلام النَّائم والنَّاسي وزائل العقل والمُكْرَه، والفرق٢ بينهما: أنَّ الهازل قاصدٌ للَّفظ غير مريدٍ لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنَّما٣ إلى المكلَّف الأسباب، وأمَّا ترتُّب مسبَّباتها وأحكامها فهو إلى الشَّارع قصَدَه المكلَّفُ أو لم يقصِدْه، والعبرة بقصده للسبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه، فإذا قصَدَه رتَّبَ الشَّارعُ عليه حكمَه جَدَّ به أو هَزَل، وهذا بخلاف النَّائم والمُبَرْسَم٤ والمجنون والسَّكران وزائل العقل، فإنَّهم ليس لهم قصدٌ صحيحٌ، وليسوا مكلَّفين، فألفاظهم لغوٌ بمنزلة ألفاظ الطِّفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده.
وسرُّ المسألة: الفرق بين من قصَدَ اللَّفظ وهو عالمٌ به ولم يُرِد حكمَه، وبين مَن لم يقصد اللَّفظَ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشَّارعُ أربعةٌ:
إحداها: أن٥ يقصد الحكمَ ولم٦ يتلفَّظ به.
(١) متعلّق بقوله (ص ٢٨٧): «فتضمنت هذه السنن».
(٢) د: «والمفرق».
(٣) ب: «وإنما»، وسقطت «إلى» من ح.
(٤) مَن به مرض البِرسام ــ بكسر الباء ــ معرّب، وهو مرض معروف يصيب الدماغ فيتغير منه عقل الإنسان ويهذي. ينظر «المصباح المنير»: (١/ ٤١)، و«المطلع» (ص ٣٥٣).
(٥) ن، ب، م: «أحدها». وزاد في طبعة الفقي والرسالة: «أن [لا] يقصد»، وهو خطأ وخلاف النسخ.