وشفَع١، وشُفِع إليه٢. وردَّت بَريرةُ شفاعته في مراجعة مغيثٍ، فلم يغضب عليها، ولا عتَب. وهو الأسوة والقدوة ﷺ.
وحلف في أكثر من ثمانين موضعًا٣. وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾[يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾[سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[التغابن: ٧].
وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يسمِّيه بالفقيه؛ فتحاكم إليه يومًا هو وخصمٌ له، فتوجَّهت اليمين على أبي بكر، فتهيَّأ للحَلِف، فقال له القاضي إسماعيل٤: ومثلُك يحلِف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني من الحَلِف، وقد أمر الله تعالى نبيَّه بالحلِف في ثلاث مواضع٥ من كتابه؟ قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدًّا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.
(١) «وشفَع» لم يرد في ج، ك، ع، وقد استدرك في حاشية ع من نسخة أخرى.
(٢) في ص: «وشفع شفيع إليه»، تحريف.
(٣) زاد في «أعلام الموقعين» (٥/ ١٨): «وهي موجودة في الصحاح والمساند». وسيأتي مرة أخرى في كتابنا هذا في فصل ما في قصة الحديبية من الفوائد.
(٤) في ك، ع بعده زيادة: «بن إسحاق: أتحلف؟».
(٥) كذا في معظم الأصول، وكأنه ذهب إلى الآيات، فذكَّر العدد. وفي مب، ن: «ثلاثة مواضع».
وكان ﷺ يستثني في يمينه تارةً، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً. والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحُلُّها بعد عقدها، ولهذا سمَّاها الله تعالى تَحِلَّةً١.
وكان ﷺ يمازح ويقول في مزاحه الحقَّ. ويورِّي ولا يقول في توريته إلا الحقَّ، مثل أن يريد وِجهةً يقصدها، فيسأل عن غيرها كيف طريقها؟ وكيف مياهها ومسلكها ونحو ذلك؟
وكان يشير، ويستشير.
وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم.
وسمع مديحَ الشعراء، وأثاب عليه. ولكن ما قيل فيه من المديح فهو جزء يسير جدًّا من محامده، وأثاب على الحق؛ وأما مدحُ غيره من الناس فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أمَر أن يُحْثَى في وجوه المدَّاحين التراب٢.
فصل
وسابقَ رسولُ الله ﷺ بنفسه على الأقدام، وصارَعَ٣.
(١) في الآية الثانية من سورة التحريم.
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٠٢) من حديث المقداد بن الأسود.
(٣) أمثل ما روي في مصارعة النبي ﷺ حديث ركانة، أخرجه أبو داود (٤٠٧٨) والترمذي (١٧٨٤) عن أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه. قال الترمذي: «هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة». وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/ ٢٥٦): وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس أن يزيد بن ركانة صارع النبي ﷺ، فصرعه النبيُّ ﷺ. وذكر القصة. والمصارعة المذكورة وقعت قبل الإسلام. وحكى السهيلي في «الروض» (٣/ ١٩٤) أن أبا الأشَدَّين كلَدة بن أُسَيد دعا النبيَّ ﷺ إلى المصارعة، فصرَعه رسولُ الله ﷺ، ولكن لم يؤمن حسب شرطه.