ومعاوية، ورواه غيره عن ابن عبَّاسٍ١. قال أبو عبيد٢: حدَّثنا يزيد بن هارون، عن جَرير بن حازمٍ، عن الزبير بن الخرِّيت٣، عن أبي لبيدٍ، أنَّ رجلًا طلَّق امرأته وهو سكران، فرُفِع إلى عمر بن الخطَّاب، وشهدَ عليه أربعُ نسوةٍ ففرَّق عمرُ بينهما.
قال٤: وحدَّثنا ابن أبي مريم، عن ناجية بن بكر٥، عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيَّب: أنَّ معاوية أجاز طلاق السَّكران.
(١) أما أثرا عمر ومعاوية فسيأتي تخريجهما، وأما أثر ابن عباس فقد سبق تخريجه قريبًا.
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى»: (٩/ ٣٩٧، ١٠/ ٢٠٩) عن أبي عبيد معلقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٣١٣٧) بنحوه من طريق وكيع عن جرير به. وسنده منقطع؛ أبو لبيد لم يلق عمر. انظر: «تهذيب الكمال»: (٢٤/ ٢٥١).
(٣) في المطبوع: «الحارث»، وهو تصحيف!
(٤) يعني أبا عبيد، ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٠٩)، وأخرجه البيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٣٥٩) من طريق الزهري، عن رجاء بن حيوة، من كتاب معاوية لعمر بن عبد العزيز. وإسناده صحيح.
(٥) كذا في الأصول وط الهندية، ووقع في «المحلى»: (١٠/ ٢٠٩): «ناجية بن أبي بكر»، وغُيِّر في ط الفقي والرسالة إلى: «نافع بن يزيد» دون إشارة؛ لأنهم رأوا أن ابن أبي مريم مشهور بالرواية عن نافع بن يزيد فظنوا ما وقع في الأصول تحريفًا. والصواب ما وقع في الأصول، ولم أجد له ترجمة غير أن الفسوي في «المعرفة والتاريخ»: (١/ ١٦٢) ذكر أن يحيى بن بكير (بعد أن سُئل عن جماعة منهم ناجية بن بكر) قال فيهم: «لا بأس بهم، من أهل الورع». ووجدت ثلاثة قد رووا عنه، وهم: ابن وهب (كما في «تهذيب الكمال»: ١٦/ ٢٨٠)، وعُفير (كما في «الولاة»: ١/ ٢٢٢ للكندي)، وابن أبي مريم (كما في «المحلى»: ١٠/ ٢٠٩).
فهذا مجموع١ ما احتجُّوا به، وليس في شيءٍ منه حجَّةٌ أصلًا.
فأمَّا المأخذ الأوَّل، وهو أنَّه مكلَّفٌ، فباطلٌ، إذ الإجماع منعقدٌ على أنَّ شرط التَّكليف العقل، ومَن لا يعقل ما يقول فليس بمكلَّفٍ.
وأيضًا فلو كان مكلَّفًا، لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرَهًا على شربها، أو غير عالمٍ بأنَّها خمرٌ، وهم لا يقولون به.
وأمَّا خطابه، فيجب حمله على الذي يعقل الخطاب، أو على الصَّاحي، وأنَّه نهي عن السُّكر إذا أراد الصَّلاة، وأمَّا مَن لا يعقل فلا يُؤمر ولا يُنهى.
وأمَّا إلزامه بجناياته، فمحلُّ نزاعٍ لا محلُّ وفاقٍ، فقال عثمان البتَّيُّ٢: لا يلزمه عقدٌ ولا بيعٌ ولا حدٌّ، إلا حدَّ الخمر فقط، وهذا إحدى الرِّوايتين عن أحمد أنَّه كالمجنون في كلِّ فعلٍ يُعتبر له العقلُ٣.
والَّذين اعتبروا أفعاله دون أقواله، فرَّقوا بفرقين، أحدهما: أنَّ إسقاط أفعاله ذريعةٌ إلى تعطيل القصاص، إذ كلُّ من أراد قتل غيره أو الزِّنا أو السَّرقة أو الحراب، سكر وفعل ذلك، فيقام عليه الحدُّ إذا أتى جرمًا واحدًا، فإذا تضاعف جرمُه بالسُّكْر كيف يسقط عنه الحدُّ؟ هذا ممَّا تأباه قواعد الشَّريعة وأصولها، وقال أحمد٤ منكرًا على مَن قال ذلك: وبعضُ مَن يرى طلاق
(١) ط الفقي والرسالة: «هذا جميع» خلاف النسخ.
(٢) ينظر «المحلى»: (١٠/ ٢١٠)، وعنه في «البناية شرح الهداية»: (٥/ ٣٠٠).