قال شيخنا١: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرَّجل قلبه، فلا يقصد الكلام، أو لا يعلم به، كأنَّه انغلق عليه قصده وإرادته.
قلت: قال أبو العبَّاس المبرِّد٢: الغلق: ضيق الصَّدر، وقلَّة الصَّبر بحيث لا يجد مَخْلَصًا.
قال شيخنا٣: فيدخل٤ في ذلك طلاقُ المكره والمجنون، ومَن زال عقلُه بسُكْرٍ أو غضبٍ، وكلُّ من لا قَصْد له ولا معرفة له بما قال.
والغضب على ثلاثة أقسامٍ٥:
أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاعٍ.
الثَّاني: ما يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحِبَه مِن تصوُّر ما يقول وقصدِه، فهذا يقع طلاقُه.
الثَّالث: أن يستحكم ويشتدَّ به، فلا يزيل عقلَه بالكلِّيَّة، ولكن يحول بينه وبين نيَّته بحيث يندم على ما فرَطَ منه إذا زال، فهذا محلُّ نظرٍ، وعدم الوقوع في هذه الحالة قويٌّ متوجِّه، والله أعلم.
(١) أي ابن تيمية. ينظر «تنقيح التحقيق»: (٤/ ٤٠٩) لابن عبد الهادي، و«مدارج السالكين»: (١/ ٢٣١)، و«تهذيب السنن»: (١/ ٥٢٤) للمؤلف.
(٢) في «الكامل»: (١/ ٢٤).
(٣) ينظر حاشية رقم (١).
(٤) ح، م، ص: «فدخل».
(٥) أصل التقسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، كما ذكر المؤلف في «أعلام الموقعين»: (٤/ ٤٧٦)، وينظر «الإغاثة الصغرى» (ص ٢٠ - ٢١).
حكم رسول الله ﷺ في الطلاق قبل النكاح
في «السُّنن»١: من حديث عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نذرَ لابن آدمَ فيما لا يملك، ولا عِتْق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك».
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ٢، وهو أحسن شيءٍ في هذا الباب، وسألت محمَّد بن إسماعيل، فقلت: أيُّ شيءٍ أصحُّ في الطَّلاق قبل النِّكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه.
وروى أبو داود٣: «لا بيعَ إلا فيما يملك، ولا وفاءَ نذرٍ إلا فيما يملك».
وفي «سنن ابن ماجه»٤: عن المِسْوَر بن مَخرمة أنَّ رسول الله ﷺ قال:
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٠)، والترمذي (١١٨١)، وابن ماجه (٢٠٤٧)، وصححه ابن الجارود (٧٤٣)، والحاكم: (٢/ ٣٠٥)؛ وقد أعلَّه الحافظ في «الفتح»: (٩/ ٣٨٤) بما لا يضرُّه فقال: «وهو قوي؛ لكن فيه علة الاختلاف»، ثم فصَّل وجهه فليراجَع فيه. وفي الباب عن جابر، وعمرو بن حزم، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وعائشة وغيرهم ﵃.
(٢) وكذا نقل الطوسي في «مختصر الأحكام» (١٠٨٦) والمزي في «التحفة»: (٦/ ٣١٨). وفي المطبوعات وما نقله الزيلعي في «نصب الراية»: (٣/ ٢٣١)، وابن الملقن في «البدر المنير»: (٨/ ٩٤) وغيرهم: «حسن صحيح».
(٣) (٢١٩٠) من طريق مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، وقد توبع، وانظر سابقه.
(٤) (٢٠٤٨)، وكذا الطبراني في «الأوسط» (٧٠٢٨)، من طريق هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عنه، وقد اختلف على هشام في إرساله ووصله، وحسَّن الموصولَ الحافظ في «التلخيص»: (٣/ ٤٥٥)، والبوصيري في «زوائده»: (٢/ ١٢٦)، وصححه في «الإرواء» (٢٠٧٠)، وقد سبقت شواهده، انظرها في «الفتح»: (٩/ ٣٨١ - ٣٨٦).