فيه جَعْل الملك سببًا للعتق، فإنَّه قُربةٌ محبوبةٌ لله، فشرَعَ الله سبحانه التَّوسُّل إليه بكلِّ وسيلةٍ مُفضيةٍ إلى محبوبه، وليس كذلك الطَّلاق، فإنَّه بغيضٌ إلى اللَّه، وهو أبغض الحلال إليه، ولم يجعل ملك البضع بالنِّكاح سببًا لإزالته البتَّة.
وفرقٌ ثانٍ: أنَّ تعليق العتق بالملك من باب نذر القُرَب والطَّاعات والتَّبرُّر، كقوله: لئن آتاني الله من فضله لأتصدَّقنَّ بكذا وكذا، فإذا وُجد الشَّرط، لزمه ما علَّقه به من الطَّاعة المقصودة، فهذا لونٌ وتعليق الطَّلاق على الملك لونٌ آخر.
حُكْم رسول الله ﷺ في تحريم طلاق الحائض والنفساء
والموطوءة في طُهرها، وتحريم إيقاع الثلاث جملة
في «الصَّحيحين»١: أنَّ ابن عمر طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر بن الخطَّاب عن ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: «مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليمسكها حتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلّق٢ قبل أن يمسَّ، فتلك العدَّة التي أمر الله أن يطلَّق لها النِّساء».
ولمسلم٣: «مُرْه فليراجعها، ثمَّ ليطلِّقها إذا طهرت، أو وهي حامل».
(١) أخرجه البخاري (٥٢٥١، ٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) ح، م: «يطلق».
(٣) هذا لفظ أبي داود (٢١٨١) من حديث ابن عمر، وإسناده على شرط الشيخين. ولفظ مسلم: (١٤٧١/ ٥) «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا». وغيّر في ط الرسالة دون إشارة!
وفي لفظٍ١: «ثم إن شاء طلَّقها طاهرًا قبل أن يمسَّ، فذلك الطَّلاق للعدَّة كما أمر الله تعالى».
وفي لفظٍ للبخاريِّ٢: «مُرْه فليراجعها ثمَّ يطلِّقها في قُبُل عدَّتها».
وفي لفظٍ لأحمد، وأبي داود، والنَّسائيِّ٣، عن ابن عمر قال: طلَّق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائضٌ، فردَّها علَيَّ رسولُ الله٤ﷺ ولم يرها شيئًا، وقال: «إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك».
قال ابن عمر: وقرأ رسولُ الله ﷺ: «يا أيُّها النَّبيُّ إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عِدَّتهنَّ».
فتضمَّن هذا الحكمُ أنَّ الطَّلاقَ على أربعه أوجهٍ٥: وجهان حلالٌ، ووجهان حرامٌ٦.
(١) عند مسلم (١٤٧١/ ٤).
(٢) (٥٣٣٣) ولفظه: «فأمره أن يراجعها، ثم يطلق من قبل عدتها»، ولمسلم (١٤٧١) نحوه، وما ذكره المصنف هو لفظ أبي داود (٢١٨٤).
(٣) أخرجه أحمد (٥٥٢٤)، وأبو داود (٢١٨٥)، والبيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٣٢٧)، بسند صحيح، من طريق أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر؛ فانتفت شبهة تدليسه. وأخرجه مسلم (١٤٧١)، والنسائي (٣٣٩٢) وغيرهما دون قوله: «ولم يرها شيئًا»، لذا ضعَّف الجمهور هذه الزيادة وإن لم ينفرد بها أبو الزبير؛ لمخالفتها جُلَّ الروايات عن ابن عمر، من ذلك قوله في البخاري (٥٢٥٣): «حُسبت عليَّ بتطليقة»، أو أنها تؤوَّل على معنى: (لم يرها شيئا صوابًا أو مستقيمًا)، وقد صححها المصنف كما سيأتي. وانظر: «الفتح»: (٩/ ٣٥٢ - ٣٥٤)، و«الإرواء» (٢٠٥٩).
(٤) ز: «فردّها عليه رسول الله ...»، ن: «فردّها رسولُ الله ...».
(٥) يروى أثرًا عن ابن عباس، وسيأتي تخريجه.
(٦) ط الهندية: «وجهان حلالان، ووجهان حرامان» وأشار في الهامش إلى أنه في نسخة: «حلال ... حرام» يعني بالإفراد فيهما.