وخصَف نعله بيده، ورقَّع ثوبَه بيده، ورقَّع دلوَه، وحلَب شاته، وفلَى ثوبه، وخدَم أهلَه ونفسَه، وحمل معهم اللَّبِنَ في بناء المسجد.
وربَط على بطنه الحجرَ من الجوع تارةً وشبِع تارةً، وضاف وأضاف.
واحتجم في وسط رأسه، وعلى ظهر قدمه. واحتجم في الأخدعين، والكاهل وهو بين الكتفين١.
وتداوى، وكوى ولم يكتوِ، ورقَى ولم يستَرْقِ. وحمَى المريض مما يؤذيه.
وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادَّة المُضِرَّة. وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاث مواضع٢ من كتابه: فحمى المريض من استعمال الماء خشيةَ الضرر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾[النساء: ٤٣]، فأباح التيمُّمَ للمريض حميةً له٣، كما أباحه للعادم.
(١) مب، ن: «ما بين الكتفين»، وكذا زاد بعضهم في ع.
(٢) كذا بتذكير العدد في جميع النسخ إلا مب، ن. وانظر ما علَّقت آنفًا.
(٣) «له» ساقط من ك. أما ع فسقط منها: «حمية له»، واستدرك في حاشيتها من بعض النسخ.
وقال في حفظ الصحة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة: ١٨٤]، فأباح للمسافر في رمضان الفطرَ حفظًا لصحته لئلا يجتمع على قوَّته الصومُ ومشقَّةُ السفر، فتضعفَ القوة، وتهِنَ الصحة١.
وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحْرِم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾[البقرة: ١٩٦]، فأباح للمريض أو من به أذًى من رأسه وهو محرِم، أن يحلق رأسه، فيستفرغ الموادَّ الفاسدةَ والأبخِرة الرديَّة٢ التي يتولَّد عليها٣ القَمْلُ، كما حصل لكعب بن عُجْرة٤ أو تُولِّد عليه المرضَ.
وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كلِّ جنس منها سببًا٥ وصورةً منبِّهًا بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحَّتهم، واستفراغ موادِّ أذاهم، رحمةً بعباده، ولطفًا بهم، ورأفةً بهم٦. وهو الرؤوف الرحيم٧.
(١) في مب: «القوة والصحة» بإسقاط الفعل «تهن».
(٢) كذا في الأصول بالتسهيل.
(٣) ك، ع: «عنها»، وفي ن: «تولِّد عليه».
(٤) انظر حديثه في «صحيح البخاري» (١٨١٤) و«صحيح مسلم» (١٢٠١).
(٥) ك، مب: «شيئًا»، وكذا في ع مع علامة الاستشكال تحتها. وكذا في المطبوع، وهو تصحيف.
(٦) «بهم» لم يرد في ص، ج.
(٧) ذكر المصنف هذه القواعد الثلاث في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٣) أيضًا، وسيذكرها مرة أخرى في المجلد الرابع في الطب النبوي (ص ٦ - ٧).