مهديٍّ، حدَّثنا همَّام بن يحيى، عن قتادة، عن خِلاس بن عمرو أنَّه قال في الرَّجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ قال: لا يعتدُّ بها.
قال أبو محمَّدٍ بن حزمٍ١: والعجب مِن جرأة مَن ادَّعى الإجماعَ على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قولَه في إمضاء الطَّلاق في الحيض أو في طهرٍ جامعها فيه كلمةً عن أحدٍ من الصَّحابة ﵃ غير روايةٍ عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابتٍ:
إحداهما: رُوِّيناها من طريق ابن وهب، عن ابن سمعان، عن رجلٍ أخبره أنَّ عثمان بن عفَّان كان يقضي في المرأة التي يطلِّقها زوجها وهي حائضٌ أنَّها لا تعتدُّ بحيضتها تلك، وتعتدُّ بعدها ثلاثةَ قُرُوءٍ٢.
قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهولٍ لا يعرف.
قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق٣، عن هشام بن حسَّان، عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجلٍ سمَّاه، عن زيد بن ثابتٍ أنَّه قال فيمن طلَّق امرأتَه وهي حائضٌ: يلزمه الطَّلاق، وتعتدُّ ثلاث حِيَضٍ سوى تلك الحيضة.
(١) في «المحلى»: (١٠/ ١٦٣ - ١٦٤).
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى»: (١٠/ ١٦٤) عن ابن وهب معلَّقًا. وضعَّفه المصنِّف هنا.
(٣) في «المصنف» (١٠٩٦٦)، وسيأتي كلام المؤلف في إعلاله.
قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ونعوذ بالله من ذلك، وذلك أنَّه لا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم قاطبةً، ومِن جُملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك في أنَّ الطَّلاقَ في الحيض أو في طُهرٍ جامعها فيه بدعةٌ، فإذْ لا شكَّ١ في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكمَ بتجويز البدعة التي يقرُّون أنَّها بدعةٌ وضلالةٌ، أليس بحكم المشاهدة مُجيز البدعة مخالفًا لإجماع القائلين بأنَّها بدعةٌ؟
قال أبو محمد: وحتَّى لو لم يبلغنا الخلافُ، لكان القاطعُ على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلَغَه عن جميعهم كاذبًا على جميعهم.
قال المانعون من وقوع الطَّلاق المحرَّم: لا يُزال النِّكاح المتيقَّن إلا بيقينٍ مثله من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ متيقَّنٍ. فإذا أوْجَدْتمونا واحدًا من هذه الثَّلاثة، رفعنا حكمَ النِّكاح به، ولا سبيلَ إلى رفعه بغير ذلك.
قالوا: فكيف والأدلَّة المتكاثرة تدلُّ على عدم وقوعه، فإنَّ هذا الطَّلاق لم يشرعه الله البتَّة، ولا أذِنَ فيه، فليس من شرعه، فكيف يُقال بنفوذه وصحَّته؟
قالوا: وإنَّما يقع من الطَّلاق٢ ما ملَّكه الله للمطلِّق، ولهذا لا يقع به الرَّابعة؛ لأنَّه لم يملِّكها٣ إيَّاه، ومن المعلوم أنَّه لم يملِّكه الطَّلاق المحرَّم،
(١) في ط الفقي والرسالة زيادة: «فيه بدعة [نهى عنها رسول الله ﷺ مخالفة لأمره. فإذا كان] لا شك ...» وهي زيادة مقحمة من «المحلى» لا وجود لها في النسخ ولا في ط الهندية.
(٢) ط الفقي والرسالة: «الطلاق المحرم» ولا وجود لها في النسخ ولا ط الهندية.