زاد المعاد

وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا١.

فهذا جملة ما رُدَّ به خبرُ أبي الزبير، وهو عند التَّأمَّل لا يوجب رَدَّه ولا بطلانَه.

أمَّا قول أبي داود: «الأحاديث كلُّها على خلافه»، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أنَّ الحجَّة من جانبكم، فدعوا التَّقليدَ وأخبرونا أين في الأحاديث الصَّحيحة ما يخالف حديثَ أبي الزبير؟ فهل فيها حديثٌ واحدٌ فيه٢ أنَّ رسول الله ﷺ حَسَب عليه تلك الطَّلقة، وأمره أن يعتدَّ بها؟ فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلافٌ صريحٌ لحديث أبي الزبير، ولا تجدون إلى ذلك سبيلًا.

وغاية ما بأيديكم: «مُرْه فليراجعها» والرَّجعة تستلزم وقوعَ الطَّلاق، وقول ابن عمر وقد سُئل: أتعتدُّ بتلك التَّطليقة؟ فقال: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»، وقول نافع أو من دونه: «فحُسِبَت من طلاقها». وليس وراء ذلك حرفٌ واحدٌ يدلُّ على وقوعها والاعتداد بها، ولا ريب في صحَّة هذه الألفاظ، ولا مطعن فيها، وإنَّما الشَّأن كلُّ الشَّأن في معارضتها لقوله: «فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا» وتقديمها عليه، ومعارضتها لتلك الأدلَّة المتقدِّمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهر التَّفاوت، وعدم المقاومة، ونحن نذكر ما في كلمةٍ كلمةٍ٣ منها:

  1. (١) نقله الخطابي في «المعالم» تنظر الإحالة السابقة.
  2. (٢) من ح، ز، م، ن.
  3. (٣) م، ب: «ما في كل كلمة»، ن: «ما في ذلك كلمة كلمة».
326

أمَّا قوله: «مُرْه فليراجعها»، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معانٍ:

أحدها: ابتداء النِّكاح، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولا خلاف بين أحدٍ من أهل العلم بالقرآن أنَّ المطلِّق هاهنا: هو الزَّوج الثَّاني، وأنَّ التَّراجع بينها وبين الزَّوج الأوَّل، وذلك نكاحٌ مبتدأٌ.

وثانيها: الرَّدُّ الحسِّيُّ إلى الحالة التي كان عليها أوَّلًا، كقوله لأبي النعمان بن بشير لمَّا نَحَل ابنَه غلامًا خصَّه به دون ولده: «رُدَّه»١، فهذا ردُّ ما لم تصحَّ فيه الهبة الجائرة التي سمَّاها رسول الله ﷺ: جَوْرًا، وأخبر أنَّها لا تصلح، وأنَّها خلاف العدل، كما سيأتي تقريره إن شاء الله.

ومِن هذا قوله لمن فرَّق بين جاريةٍ وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك، وردَّ البيعَ٢، وليس هذا الرَّدُّ مستلزمًا لصحَّة البيع، فإنَّه بيعٌ باطلٌ٣، بل هو ردُّ شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمرُ بمراجعة ابن عمر امرأتَه ارتجاعٌ وردٌّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطَّلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطَّلاق في الحيض البتَّة.

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣) من حديث النعمان بن بشير ﵁ .
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٢٦٩٦)، والترمذي (١٣٣٠)، وابن ماجه (٢٢٤٩) من طريق ميمون عن علي: «أنه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وردَّ البيع»، وميمون لم يدرك عليًّا، وصححه الحاكم: (٢/ ٥٥ - ١٢٥)، وله شاهد من حديث أبي أيوب، وقد سبق تخريجه.
  3. (٣) ب زيادة: «مردود».
327

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي