وقال في حفظ الصحة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة: ١٨٤]، فأباح للمسافر في رمضان الفطرَ حفظًا لصحته لئلا يجتمع على قوَّته الصومُ ومشقَّةُ السفر، فتضعفَ القوة، وتهِنَ الصحة١.
وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحْرِم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾[البقرة: ١٩٦]، فأباح للمريض أو من به أذًى من رأسه وهو محرِم، أن يحلق رأسه، فيستفرغ الموادَّ الفاسدةَ والأبخِرة الرديَّة٢ التي يتولَّد عليها٣ القَمْلُ، كما حصل لكعب بن عُجْرة٤ أو تُولِّد عليه المرضَ.
وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كلِّ جنس منها سببًا٥ وصورةً منبِّهًا بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحَّتهم، واستفراغ موادِّ أذاهم، رحمةً بعباده، ولطفًا بهم، ورأفةً بهم٦. وهو الرؤوف الرحيم٧.
(١) في مب: «القوة والصحة» بإسقاط الفعل «تهن».
(٢) كذا في الأصول بالتسهيل.
(٣) ك، ع: «عنها»، وفي ن: «تولِّد عليه».
(٤) انظر حديثه في «صحيح البخاري» (١٨١٤) و«صحيح مسلم» (١٢٠١).
(٥) ك، مب: «شيئًا»، وكذا في ع مع علامة الاستشكال تحتها. وكذا في المطبوع، وهو تصحيف.
(٦) «بهم» لم يرد في ص، ج.
(٧) ذكر المصنف هذه القواعد الثلاث في «إغاثة اللهفان» (١/ ٢٣) أيضًا، وسيذكرها مرة أخرى في المجلد الرابع في الطب النبوي (ص ٦ - ٧).
فصل
في هديه ﷺ في معاملته
كان أحسن الناس معاملةً. وكان إذا استسلف سَلَفًا قضى خيرًا منه١. وكان إذا استسلف من رجل سَلَفًا قضاه إياه، ودعا له، فقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاءُ السَّلَف الحمد والأداء»٢.
واستسلف من رجل أربعين صاعًا، فاحتاج الأنصاري، فأتاه، فقال ﷺ: «ما جاءنا من شيء بعدُ»، فقال الرجل، وأراد أن يتكلَّم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تقل إلا خيرًا، فأنا خيرُ مَن تسلَّف»، فأعطاه أربعين فضلًا وأربعين لسلفه، فأعطاه ثمانين. ذكره البزار٣.
(١) أخرج مالك (١٩٨٦) ومن طريقه مسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أنه استسلف بكرًا فقضى جملًا خيارًا رباعيًا وقال: «أَعطِه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً».
(٢) أخرجه أحمد (١٦٤١٠) والنسائي في «المجتبى» (٤٦٨٣) و«الكبرى» (٦٢٣٦، ١٠١٣٢) وابن ماجه (٢٤٢٤) من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه عن جده. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٥/ ٢٢٤). وقد انقلب اسم إسماعيل بن إبراهيم عند أحمد إلى إبراهيم بن إسماعيل، وهو على الصواب في «أطراف المسند» (٢/ ٧٠٩)، وانظر التعليق على «المسند».
(٣) في «مسنده» (١١/ ٣٥٦) وقال: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولم نسمع هذا الحديث إلا من أحمد بن خزيمة وكان ثقة». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٤١): «رجاله رجال الصحيح، خلا شيخ البزار، وهو ثقة». فيه عنعنة ابن جريج، وشيخه عطاء، إن كان الخراساني فهو لم يسمع من ابن عباس شيئًا، وقال يحيى القطان: ابن جريج عن عطاء الخراساني ضعيف [«جامع التحصيل» (ص ٢٢٩، ٢٣٨)]؛ وإن كان ابن أبي رباح فلم يؤمن تدليس ابن جريج.