زاد المعاد

وشمول اسم الطَّلاق له كشموله للطَّلاق الحلال، ولو كان لفظًا مجرَّدًا لغوًا لم يكن له حقيقةٌ، ولا قيل: «طلَّق امرأته»، فإنَّ هذا اللَّفظ إذا كان لغوًا كان وجوده كعدمه، ومثل هذا لا يقال فيه «طلَّق»، ولا يقسَّم الطَّلاق إليه١ ــ وهو غير واقعٍ ــ إليه وإلى الواقع، فإنَّ الألفاظ اللَّاغية التي ليس لها معانٍ ثابتةٌ لا تكون هي ومعانيها قِسْمًا من الحقيقة الثَّابتة لفظًا.

فهذا أقصى ما تمسَّك به المُوْقِعون، وربَّما ادَّعى بعضهم الإجماعَ لعدم علمه بالنِّزاع.

قال المانعون من الوقوع: الكلام معكم في ثلاث مقاماتٍ بها يستبين الحقُّ في المسألة.

المقام الأوَّل: بطلان ما زعمتم من الإجماع، وأنَّه لا سبيل لكم إلى إثباته البتَّة، بل العلم بانتفائه معلومٌ.

المقام الثَّاني: أنَّ فتوى الجمهور بالقول لا يدلُّ على صحَّته، وقول الجمهور ليس بحجَّةٍ.

المقام الثَّالث: أنَّ الطَّلاق المحرَّم لا يدخل تحت نصوص الطَّلاق المُطْلقة التي رتَّب الشَّارع عليها أحكامَ الطَّلاق. فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثَّلاث كنَّا أسعدَ بالصَّواب منكم في المسألة.

فنقول: أمَّا المقام الأوَّل، فقد تقدَّم من حكاية النِّزاع ما يُعْلَم معه بطلان دعوى الإجماع، كيف، ولو لم يُعلَم ذلك لم يكن لكم سبيلٌ إلى إثبات

  1. (١) كذا في جميع الأصول، وليست في المطبوع.
334

الإجماع١ الذي تقوم به الحجَّة، وتنقطع معه المعذرة، وتَحْرُم معه المخالفة، فإنَّ الإجماعَ الذي يوجب ذلك هو الإجماعُ القطعيُّ المعلوم.

وأمَّا المقام الثَّاني: وهو أنَّ الجمهور على هذا القول، فأوْجِدُونا في الأدلَّة الشَّرعيَّة أنَّ قول الجمهور حجَّةٌ مضافةٌ إلى كتاب الله، وسنَّة رسوله، وإجماع أمَّته.

ومَن تأمَّل مذاهبَ العلماء قديمًا وحديثًا من عهد الصَّحابة وإلى الآن، واسْتَقرى أقوالَهم٢ وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكلٍّ منهم أقوالًا عديدةً انفرد بها عن الجمهور، ولا يُستثنى من ذلك أحدٌ قطُّ، ولكن مستقلٌّ ومستكثرٌ، فمَن شئتم سمّوه٣ من الأئمَّة ثم٤ تتبَّعوا ما له مِن الأقوال التي خالف فيها الجمهور، ولو تتبَّعنا ذلك وعددناه، لطال الكتاب به جدًّا، ونحن نحيلكم على الكتب المتضمِّنة لمذاهب العلماء واختلافهم، ومن له معرفةٌ بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم.

ولكن هذا في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد، ولا تدفعها السُّنَّة الصَّحيحة الصَّريحة، وأمَّا ما كان هذا سبيله، فإنَّهم كالمتَّفقين على إنكاره وردِّه، هذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين.

  1. (١) «كيف، ولو ... الإجماع» كتب عليها في ص (لا إلى) يعني يضرب عليها ليكون السياق: «دعوى الإجماع الذي تقوم به ...».
  2. (٢) ط الفقي والرسالة: «أحوالهم» خلاف النسخ وط الهندية.
  3. (٣) المطبوع: «سميتموه».
  4. (٤) سقطت من ط الفقي والرسالة.
335

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي