زاد المعاد

وأمَّا المقام الثَّالث: وهو دعواكم دخولَ الطَّلاق المحرَّم تحت نصوص الطَّلاق، وشمولها للنَّوعين إلى آخر كلامكم، فنسألكم: ما تقولون فيمن ادَّعى دخولَ أنواع البيع المحرَّم والنِّكاح المحرَّم تحت نصوص البيع والنِّكاح، وقال: شمولُ الاسمِ الصَّحيحَ١ مِن ذلك والفاسدَ سواءٌ؟

بل وكذلك سائر العقود المحرَّمة إذا ادَّعى دخولَها تحت ألفاظ العقود الشَّرعيَّة، وكذلك العبادات المحرَّمة المنهيُّ عنها إذا ادَّعى دخولَها تحت الألفاظ الشَّرعيَّة، وحَكَم لها بالصِّحَّة لشمول الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحةً أو باطلةً؟

فإن قلتم: صحيحةٌ، ولا سبيل لكم إلى ذلك، كان قولًا معلومَ الفساد بالضَّرورة من الدِّين، وإن قلتم: دعواه باطلةٌ، تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وإن قلتم: تُقبل في موضعٍ، وتردُّ في موضعٍ، قيل لكم: ففرِّقوا لنا بفرقانٍ صحيحٍ مطَّردٍ منعكسٍ، معكم به برهانٌ من الله، بين ما يدخل من العقود المحرَّمة تحت ألفاظ النُّصوص، فيثبت له حكم الصِّحَّة، وبين ما لا يدخل تحتها، فيثبت له حكم البطلان. وإن عجَزْتم عن ذلك، فاعلموا أنَّه ليس بأيديكم سوى الدَّعوى التي يحْسِن كلُّ أحدٍ مقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتجُّ لقوله لا بقوله.

وإذا كُشف الغطاء عمَّا قرَّرتموه في هذه الطَّريق وُجِد عينُ محلِّ النِّزاع٢ جعلتموه مقدِّمةً في الدَّليل، وذلك عين المصادرة على

  1. (١) ط الفقي والرسالة: «للصحيح» خلاف النسخ وط الهندية.
  2. (٢) ط الفقي والرسالة زيادة «فقد» ولا وجود لها في النسخ ولا ط الهندية، والنص بدونها مستقيم.
336

المطلوب١، فهل وقع النِّزاع إلا في دخول الطَّلاق المحرَّم المنهيِّ عنه تحت قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وتحت قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وأمثال ذلك، وهل سلَّم لكم منازعوكم قطُّ ذلك حتَّى تجعلونه مقدِّمةً لدليلكم؟

قالوا: وأمَّا استدلالكم بحديث ابن عمر، فهو إلى أن يكون حجَّةً عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجَّةً لكم من وجوهٍ:

أحدها: صريحُ قوله: «فردَّها عليَّ ولم يرها شيئًا»، وقد تقدَّم بيان صحَّته. قالوا: فهذا الصَّحيح الصَّريح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين، بل جميع تلك الألفاظ إمَّا صحيحةٌ غير صريحةٍ، وإمَّا صريحةٌ غير صحيحةٍ كما ستقفون عليه.

الثَّاني: أنَّه قد صحَّ عن ابن عمر بإسنادٍ كالشَّمس من رواية عبيد الله عن نافع عنه، في الرَّجل يطلِّق امرأته وهي حائضٌ، قال: «لا يعتدُّ٢ بذلك»، وقد تقدَّم.

الثَّالث: أنَّه لو كان صريحًا في الاعتداد به، لما عدَلَ عنه إلى مجرَّد الرَّأي، وقوله للسَّائل: «أرأيت؟».

الرَّابع: أنَّ الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابًا شديدًا، وكلُّها صحيحةٌ عنه، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن عنده نصٌّ صريحٌ عن

  1. (١) المصادرة على المطلوب هي: جَعْل النتيجة مقدمة بتغيير في اللفظ. ينظر «التوقيف» (ص ٣٠٧)، و«بيان المختصر»: (١/ ١٤٧).
  2. (٢) د، ص، م: «تعتد».
337

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي