وأمَّا حديث أنس: «مَن طلَّق في بدعةٍ ألزمناه بدعتَه» فحديثٌ باطلٌ على رسول الله ﷺ، ونحن نشهد بالله أنَّه حديثٌ باطلٌ عليه، ولم يروه أحدٌ من الثِّقات من أصحاب حمَّاد بن زيدٍ، إنَّما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذَّرَّاع الكذَّاب١ الذي يَذْرَع ويفصِّل، ثمَّ الرَّاوي له عنه عبد الباقي بن قانعٍ، وقد ضعَّفه البرقانيُّ وغيره، وكان قد اختلط في آخر عمره، وقال الدَّارقطنيُّ: يخطئ كثيرًا٢. ومثل هذا إذا تفرَّد بحديثٍ لم يكن حديثُه حجَّةً.
وأمَّا إفتاء عثمان بن عفَّان، وزيد بن ثابتٍ بالوقوع، فلو صحَّ ذلك ــ ولا يصحُّ أبدًا ــ فإنَّ أثر عثمان فيه كذَّابٌ عن مجهولٍ لا يعرف عينُه ولا حالُه، فإنَّه من رواية ابن سمعان، عن رجلٍ. وأثر زيد فيه مجهولٌ عن مجهولٍ: قيس بن سعدٍ، عن رجلٍ سمَّاه، عن زيد. فيا للَّه العجب، أين هاتين الرِّوايتين٣ من رواية عبد الوهَّاب بن عبد المجيد الثَّقفيِّ، عن عبيد الله حافظ الأمَّة، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه قال: «لا يعتدُّ بها»٤. فلو كان هذا الأثر من قِبَلكم لَصُلْتم به وجُلْتم.
(١) قال ابن حزم في «المحلى»: (١٠/ ١٦٤ - ١٦٥): «حديث أنس موضوع، وإسماعيل ضعيف متروك»، وقال الدارقطني: «متروك الحديث كان يضع الحديث» وقال الخطيب: «له أحاديث منكرة». ينظر «المتفق والمفترق»: (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، و«الضعفاء»: (١/ ١٠٩) لابن الجوزي، و«لسان الميزان»: (٢/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٢) ينظر «لسان الميزان»: (٥/ ٥٠ - ٥٢).
(٣) كذا في جميع الأصول وط الهندية، والوجه: «هاتان الروايتان». وأصلحت في الطبعات اللاحقة.
(٤) سبق تخريجها.
وأمَّا قولكم: إنَّ تحريمه لا يمنع ترتُّبَ أثرِه عليه، كالظِّهار، فيقال أوَّلًا: هذا قياسٌ يدفعه ما ذكرناه من النَّصِّ، وسائرُ تلك الأدلَّة التي هي أرجح منه. ثمَّ يقال ثانيًا: هذا معارَضٌ بمثله سواءٌ معارضةَ القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتُّبَ أثره عليه كالنِّكاح. ويقال ثالثًا: ليس للظِّهار جهتان: جهة حلٍّ، وجهة حرمةٍ، بل كلُّه حرامٌ، فإنَّه منكرٌ من القول وزورٌ، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلالٍ جائزٍ، وحرامٍ باطلٍ، بل هو بمنزلة القذف من الأجنبيِّ والرِّدَّة، فإذا وُجِد لم يوجد إلا مع مفسدته، فلا يتصوَّر أن يقال: منه حلالٌ صحيحٌ، وحرامٌ باطلٌ، بخلاف النِّكاح والطَّلاق والبيع، فالظِّهار نظير الأفعال المحرَّمة التي إذا وقعت قارَنَتْها١ مفاسدها، فترتَّبَتْ عليها أحكامُها، فإلحاق الطَّلاق بالنِّكاح، والبيع والإجارة، والعقود المنقسمة إلى حلالٍ وحرامٍ وصحيحٍ وباطلٍ أولى.
وأمَّا قولكم: إنَّ النِّكاح عقدٌ يُمْلك به البُضع، والطَّلاق عقدٌ يخرج به، فنعم، مِن أين لكم برهانٌ من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما، والإلزام به وتنفيذه، وإلغاء الآخر وإبطاله؟
وأمَّا زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرَّم، فذلك ملكٌ قد زال حسًّا، ولم يبق له محلٌّ. وأمَّا زواله بالإقرار الكاذب، فأبعد وأبعد، فإنَّا صدَّقناه ظاهرًا في إقراره، وأزلنا ملكَه بالإقرار المصدَّق فيه وإن كان كاذبًا.
وأمَّا زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفرٌ، فقد تقدَّم جوابه، وأنَّه ليس في الكفر حلالٌ وحرامٌ.