مَن شمَّر عن ساق عزمِه، وحام حولَ آثار رسول الله ﷺ وتحكيمها، والتَّحاكم إليها بكلِّ همَّةٍ.
وإذا كان غيرَ عاذرٍ لمُنازِعه في قصوره ورغبته عن هذا الشَّأن البعيد، فليعَذُرْه منازِعُه في رغبته عمَّا ارتضاه لنفسه مِن محض التَّقليد، ولينظر مع نفسه أيُّهما هو المعذور، وأيُّ السَّعيين أحقُّ بأن يكون هو السَّعي المشكور. والله المستعان وعليه التُّكلان، وهو الموفِّق للصَّواب، الفاتح لمن أمَّ بابَه طالبًا لمرضاته مِن الخير كلَّ بابٍ.
فصل
في حكمه ﷺ فيمن طلَّق ثلاثًا بكلمة واحدة
قد تقدَّم١ حديث محمود بن لَبيدٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أخبر عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعًا، فقام غضبان، ثمَّ قال: أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!»، وإسناده على شرط مسلم، فإنَّ ابن وهب قد رواه عن مَخْرمة بن بُكير بن الأشج، عن أبيه قال: سمعتُ محمودَ بن لبيدٍ فذكره، ومخرمة ثقةٌ بلا شكٍّ، وقد احتجَّ مسلم في «صحيحه»٢ بحديثه عن أبيه.
والَّذين أعلُّوه قالوا: لم يسمع منه، وإنَّما هو كتابٌ.
قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبلٍ عن مَخْرمة بن بُكير؟ فقال: هو ثقةٌ، ولم يسمع من أبيه، إنَّما هو كتاب [أبيه. وقال أبو الحسن الميموني:
(١) (ص ٣١٦).
(٢) ينظر الأحاديث رقم (٢٣٢، ٢٤٠، ٢٩٥، ٣٠٣ وغيرها).
سمعت أبا عبد الله يقول أخذ مالكٌ كتابَ]١ مَخرمة بن بُكير، فنظر فيه، [كلُّ] شيءٍ يقول: «بلغني عن سليمان بن يسارٍ»، فهو من كتاب مَخْرمة٢.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معينٍ يقول: مخرمة بن بكير الأشج وقع إليه كتاب أبيه، ولم يسمعه. وقال في رواية عبَّاسٍ الدُّوريِّ: هو ضعيفٌ، وحديثه عن أبيه كتابٌ، ولم يسمعه منه.
وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، حديثَ الوتر.
وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلَمة: أتيتُ مخرمة فقلت: حدَّثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه٣.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنَّ كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فرق في قيام الحجَّة بالحديث بين ما حدَّثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النُّسخة أحوط إذا تيقَّن الرَّاوي أنَّها نسخة الشَّيخ بعينها، وهذه طريقة الصَّحابة والسَّلف، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث كتبَه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجَّة، وكتبَ كتبَه إلى عمَّاله في بلاد الإسلام، فعملوا بها واحتجُّوا بها،
(١) ما بين المعكوفين سقط من الأصول، وهو انتقال نظر، وقد يكون من المؤلف حينما نقل الأقوال من «تهذيب الكمال»: (٢٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وبه يزول التداخل بين الروايتين عن الإمام.
(٢) ينظر: «الجرح والتعديل»: (٨/ ٣٦٣)، وبقية أقوال الإمام أحمد في مخرمة في «موسوعة أقوال الإمام أحمد»: (٣/ ٣٣٣). وما بين المعكوفين من المصادر.