الرَّابع: أنَّه يُفرَّق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثَّلاث بالمدخول بها، وتقع بغيرها واحدةٌ، وهذا قول جماعةٍ من أصحاب ابن عبَّاسٍ، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمَّد بن نصرٍ المروزيُّ في كتاب «اختلاف العلماء»٢.
فأمَّا من لم يُوقِعها جملةً، فاحتجُّوا بأنَّه طلاق بدعةٍ محرَّمٌ، والبدعة مردودةٌ، وقد اعترف أبو محمَّد بن حزمٍ٣ بأنَّها لو كانت بدعةً محرَّمةً لوجب أن تُردَّ وتُبطل، ولكنَّه اختار مذهب الشَّافعيِّ أنَّ جمع الثَّلاث جائزٌ غير محرَّمٍ. وسيأتي حجَّة هذا القول وما فيه.
وأمَّا من جعلها واحدةً، فاحتجَّ بالنَّصِّ والقياس:
أما النَّصُّ فما رواه معمر وابن جريجٍ عن ابن طاوس عن أبيه: أنَّ أبا الصهباء قال لابن عبَّاسٍ: ألم تَعلمْ أنَّ الثَّلاث كانت تُجعل واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال: نعم. رواه مسلم في «صحيحه»٤.
(١) من مسائله المشهورة التي انتصر لها وكتب فيها كثيرًا، انظر: «مجموع الفتاوى» (ج ٣٣)، و«جامع المسائل» (ج ١).
(٢) (ص ٢٤٦).
(٣) في «المحلى» (١٠/ ١٦٧).
(٤) برقم (١٤٧٢).
وفي لفظٍ١: ألم تعلم أنَّ الثَّلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر تردُّ إلى الواحدةٍ؟ قال: نعم.
وقال أبو داود٢: حدَّثنا أحمد بن صالحٍ، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريجٍ قال: أخبرني بعض بني أبي رافعٍ مولى رسول الله ﷺ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: طلَّق عبدُ يزيد ــ أبو رُكانةَ وإخوتِه ــ أمَّ رُكانة، ونكح امرأةً من مُزَينة، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: ما يُغنِي عنِّي إلا كما تُغنِي هذه الشَّعرة، لِشعرةٍ أخذتْها من رأسها، ففرِّقْ بيني وبينه، فأخذَتِ النبيَّ ﷺ حميَّةٌ، فدعا بِرُكانةَ وإخوته، ثمَّ قال لجلسائه: «أتَرون٣ أنَّ فلانًا يُشبِه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟»، قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ لعبد يزيد: «طلِّقْها»، ففعلَ. قال: «راجِعْ امرأتَك أمَّ ركانةَ وإخوتِه»، فقال: إنِّي طلَّقتُها ثلاثًا يا رسول اللَّه، قال: «قد علمتُ، راجِعْها»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾[الطلاق:١].
وقال الإمام أحمد٤: حدَّثنا سعد بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني داود بن الحُصين، عن عكرمة مولى ابن عبَّاسٍ، عن عبد الله بن عبَّاسٍ قال: طلَّق رُكانة بن عبد يزيد أخو بني المطَّلب امرأته ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ، فحزِن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله ﷺ: «كيف طلَّقتَها؟»، قال: طلَّقتُها ثلاثًا، قال: فقال: «في مجلسٍ واحدٍ؟»،