قال: نعم، قال: «فإنَّما تلك١ واحدةٌ، فارجِعْها إن شئت»، قال: فراجعَها. فكان ابن عبَّاسٍ يرى أنَّما الطَّلاق عند كلِّ طهرٍ.
قالوا: وأمَّا القياس، فقد تقدَّم أنَّ جمع الثَّلاث محرَّمٌ وبدعةٌ، والبدعة مردودةٌ؛ لأنَّها ليست على أمر رسول الله ﷺ.
قالوا: وسائر ما تقدَّم في بيان التَّحريم يدلُّ على عدم وقوعها جملةً.
قالوا: ولو٢ لم يكن معنا إلا قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾[النور: ٦]، وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ﴾[النور: ٨]. قالوا: وكذلك كلُّ ما يُعتبر له التَّكرار من حلفٍ أو إقرارٍ أو شهادةٍ. وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «تَحلِفون خمسينَ يمينًا، وتَستحقُّون دمَ صاحبِكم»٣، فلو قالوا: نحلف بالله٤ خمسين يمينًا إنَّ فلانًا قتلَه، كانت يمينًا واحدةً.
قالوا: وكذلك الإقرار بالزِّنا، كما في الحديث أنَّ بعض الصَّحابة قال لماعزٍ: إن أقررتَ أربعًا رجمَكَ رسول الله ﷺ٥، فهذا لا يُعقَل أن تكون الأربع فيه مجموعةً بفمٍ واحدٍ.
(١) د، ص، ح: «تملك»، خطأ.
(٢) «لو» ليست في ز. وجواب الشرط محذوف، وهو مفهوم من السياق، أي: لكان كافيًا.
(٣) تقدم تخريجه في حديث القسامة.
(٤) «بالله» ليست في د.
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، لكن جاء عند أحمد (٤١) وأبي يعلى في «المسند» (٤٠) وغيرهما من حديث أبي بكر الصديق أنه قال له: «إن اعترفتَ الرابعة رَجَمَكَ»، ومداره على جابر الجعفي، وهو ضعيف. وأصله عند الشيخين، كما سبق.
وأمَّا الذين فرَّقوا بين المدخول بها وغيرها، فلهم حجَّتان:
إحداهما: ما رواه أبو داود١ بإسنادٍ صحيحٍ عن طاوسٍ، أنَّ رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السُّؤال لابن عبَّاسٍ، قال٢: أما علمتَ أنَّ الرَّجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ [قال ابن عباس: بلى]٣، فلمَّا رأى عمر النَّاس قد تَتايعوا٤ فيها، قال: أَجِيزوهنَّ عليهم.
ورأى هؤلاء أنَّ ذِكْر إلزام عمر بالثَّلاث هو في حقِّ المدخول بها، وحديث أبي الصهباء في غير المدخول بها. قالوا: ففي هذا التَّفريق موافقةُ المنقول من الجانبين، وموافقةُ القياس. وقال بكلِّ قولٍ من هذه الأقوال جماعةٌ من أهل الفتوى، كما حكاه أبو محمَّد بن حزمٍ وغيره، ولكن عدم الوقوع جملةً هو مذهب الإماميَّة، وحكوه عن جماعةٍ من أهل البيت.
(١) برقم (٢١٩٩)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٣٣٨) من طرق عن طاوس به، وأُعل باختلاط أبي النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وقد خولف في سنده ومتنه، ولذا ضعفه الألباني في «الضعيفة» (١١٣٤). وأصله في مسلم (١٤٧٢) وغيره كما سبق؛ لكن دون قوله: «قبل أن يدخل بها»؛ فهي زيادة شاذة.
(٢) في المطبوع: «قال له» خلاف النسخ و«السنن».
(٣) زيادة من «السنن» ليستقيم السياق، فيكون ما بعدها من كلام ابن عباس.
(٤) د، ز: «تتابعوا». وكذا في بعض نسخ «السنن». ومعناها بالياء: المتابعة والتوارد على الوقوع في الشر من غير فكرٍ ولا روية. وانظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٠/ ٧٢).