النَّبيَّ ﷺ بذلك، وقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً١، فقال رسول الله ﷺ: «واللهِ ما أردتَ إلا واحدةً؟»، فقال ركانة: واللهِ ما أردتُ إلا واحدةً٢، فردَّها إليه رسول الله ﷺ، فطلَّقها الثَّانيةَ في زمن عمر، والثَّالثة في زمن عثمان.
وفي «جامع الترمذي»٣: عن عبد الله٤ بن علي بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه، عن جدِّه أنَّه طلَّق امرأته البتَّةَ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: «ما أردتَ؟»، قال: واحدةً، قال: «آللهِ؟»، قال: آللَّهِ. قال: «هو على ما أردت». قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمَّدًا عن هذا الحديث فقال: فيه اضطرابٌ.
ووجه الاستدلال بالحديث أنَّه ﷺ أَحْلفَه أنَّه أراد بالبتَّة واحدةً، فدلَّ على أنَّه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده، ولو لم يفترق الحال لم يُحلِفه.
قالوا: وهذا أصحُّ من حديث ابن جريجٍ عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه طلَّقها ثلاثًا. قال أبو داود٥: لأنَّهم ولدُ الرَّجل، وأهلُه أعلمُ به أنَّ ركانة إنَّما طلَّقها البتَّة.
قالوا: وابن جريجٍ إنَّما رواه عن بعض بني أبي رافع. فإن كان عبد الله٦ فهو ثقةٌ معروفٌ، وإن كان غيره من إخوته فمجهول العدالة، لا تقوم به حجَّةٌ.
(١) «وقال: والله ما أردت إلا واحدة» ساقطة من المطبوع.
(٢) «فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة» ساقطة من ز.
(٣) برقم (١١٧٧). وقد سبق.
(٤) ص، ب: «عبيد الله»، خطأ.
(٥) عقب الحديث رقم (٢١٩٦).
(٦) ص، ب، المطبوع: «عبيد الله»، خطأ.
قالوا: وأمَّا طريق الإمام أحمد، ففيها ابن إسحاق، والكلام فيه معروفٌ، وقد حكى الخطابي١ أنَّ الإمام أحمد كان يضعِّف طرق هذا الحديث كلَّها.
قالوا: وأصحُّ ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عبَّاسٍ، وقد قال البيهقي٢: هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاريُّ ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاريُّ، وأظنُّه تركَه لمخالفته٣ سائر الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ. ثمَّ ساق الرِّوايات عنه بوقوع الثَّلاث، ثمَّ قال: فهذه رواية سعيد بن جبيرٍ٤، وعطاء بن أبي رباحٍ٥، ومجاهد٦، وعكرمة٧، وعمرو بن
(١) في «معالم السنن» (٣/ ١٢٢). وناقشه المؤلف في «تهذيب السنن» (١/ ٥٢٦ - ٥٢٨).
(٥) أخرجها عبد الرزاق (١١٣٤٨) والبيهقي (٧/ ٣٣٧) بسند جيِّد عن ابن جريج، عن عبدالحميد بن رافع، عن عطاء: أن رجلًا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، فقال ابن عباس: «يأخذ من ذلك ثلاثًا، ويدع سبعًا وتسعين». وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨١٧٦) من وجه آخر عنه.
(٦) أخرجها أبو داود (٢١٩٧) والنسائي في «الكبرى» (٥٥٥٦)، وكذا عبد الرزاق (١١٣٥٢) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٥٨) والدارقطني في «السنن» (٣٩٢٦) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣١) من طرق عن مجاهد عن ابن عباس، وصحح الحافظ في «الفتح» (٩/ ٣٦٢) إسناد أبي داود، وفيه: أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا ... فقال: «عصيت ربك، وبانت منك امرأتك ...».