قالوا: وأمَّا طريق الإمام أحمد، ففيها ابن إسحاق، والكلام فيه معروفٌ، وقد حكى الخطابي١ أنَّ الإمام أحمد كان يضعِّف طرق هذا الحديث كلَّها.
قالوا: وأصحُّ ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عبَّاسٍ، وقد قال البيهقي٢: هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاريُّ ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاريُّ، وأظنُّه تركَه لمخالفته٣ سائر الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ. ثمَّ ساق الرِّوايات عنه بوقوع الثَّلاث، ثمَّ قال: فهذه رواية سعيد بن جبيرٍ٤، وعطاء بن أبي رباحٍ٥، ومجاهد٦، وعكرمة٧، وعمرو بن
(١) في «معالم السنن» (٣/ ١٢٢). وناقشه المؤلف في «تهذيب السنن» (١/ ٥٢٦ - ٥٢٨).
(٥) أخرجها عبد الرزاق (١١٣٤٨) والبيهقي (٧/ ٣٣٧) بسند جيِّد عن ابن جريج، عن عبدالحميد بن رافع، عن عطاء: أن رجلًا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، فقال ابن عباس: «يأخذ من ذلك ثلاثًا، ويدع سبعًا وتسعين». وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨١٧٦) من وجه آخر عنه.
(٦) أخرجها أبو داود (٢١٩٧) والنسائي في «الكبرى» (٥٥٥٦)، وكذا عبد الرزاق (١١٣٥٢) والطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٥٨) والدارقطني في «السنن» (٣٩٢٦) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣١) من طرق عن مجاهد عن ابن عباس، وصحح الحافظ في «الفتح» (٩/ ٣٦٢) إسناد أبي داود، وفيه: أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا ... فقال: «عصيت ربك، وبانت منك امرأتك ...».
(٧) سيأتي تخريجها قريبًا.
دينارٍ١،
ومالك بن الحارث٢، ومحمد بن إياس بن البُكَير٣ ــ قال: وروِّيناه عن معاوية بن أبي عيَّاش الأنصاري٤ ــ كلُّهم عن ابن عبَّاسٍ أنَّه أجاز الثَّلاث وأمضاهنَّ.
وقال ابن المنذر٥: فغير [جائزٍ]٦ أن يُظَنَّ بابن عبَّاسٍ أنَّه يحفظ عن النَّبيِّ ﷺ شيئًا ثمَّ يفتي بخلافه.
وقال الشَّافعيُّ٧: فإن كان معنى قول ابن عبَّاسٍ: «إنَّ الثَّلاث كانت تُحْسَب على عهد رسول الله ﷺ واحدةً، يعني أنَّه بأمر النَّبيِّ ﷺ، فالَّذي يُشِبه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عبَّاسٍ قد علم أنَّه كان شيئًا فنُسِخ.
(١) أخرجها ابن أبي شيبة (١٧٨١٣) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣٧) بسند صحيح عن ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم، فقال: «إنما يكفيك رأس الجوزاء» ..
(٢) أخرجها عبد الرزاق (١٠٧٧٩) وسعيد بن منصور (٤/ ٦١) وابن أبي شيبة (١٨٠٨٨) والطحاوي في «معانى الآثار» (٣/ ٥٧) والقاضي إسماعيل بن إسحاق في «أحكام القرآن» (ص ٢٣٨) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣٧) من طرق عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: «جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى الله فأندمه الله، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا»، وسنده صحيح.
(٣) سيأتي تخريجها قريبًا.
(٤) روايته هي رواية محمد بن إياس المشار إليها آنفًا، فقد شهد معاوية القصة حين جاء محمد بن إياس يسأل عن طلاق الثلاث، وسيأتي تخريجها قريبًا.
(٥) في «الأوسط» (٩/ ١٥٨).
(٦) «جائز» ليست في النسخ، وزيدت من «الأوسط» ليستقيم الكلام.