وروى وكيعٌ١ عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ، فقال: إنِّي طلَّقت امرأتي ألفًا، فقال له علي: بانت منك بثلاثٍ، واقْسِمْ سائرهنَّ بين نسائك.
وروى وكيعٌ٢ أيضًا عن جعفر بن بُرْقان، عن معاوية بن أبي يحيى، قال: جاء رجلٌ إلى عثمان بن عفَّان، فقال: طلَّقتُ امرأتي ألفًا، قال: بانت منك بثلاثٍ.
وروى عبد الرزاق٣ عن سفيان الثَّوريِّ، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رجلٌ لابن عبَّاسٍ: طلَّقت امرأتي ألفًا، فقال له ابن عبَّاسٍ: ثلاثٌ تُحرِّمها عليك، وبقيَّتها عليك وِزْرٌ، أتَّخذتَ آيات الله هزوًا؟!
(١) أخرجه عنه ابن أبي شيبة (١٨١٠١)، والدارقطني في «السنن» (٣٩٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣٥)، وسنده ضعيف؛ للانقطاع بين حبيب وعلي ﵁، وحبيب ثقة فقيه جليل لكنه كثير الإرسال والتدليس.
(٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة (١٨١٠٤) بنحوه، وذكره في «المحلى» (٩/ ٣٩٩) معلَّقًا، وسنده ضعيف؛ معاوية بن أبي يحيى لم يرو عنه غير جعفر، ولم أقف على من ترجمه سوى ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٤٦٨)، وقال: «يروي المراسيل»، ولعل هذا منها؛ فإنه لم يعرف له سماعٌ من عثمان، وتلميذُه مات نحو سنة ١٥٠، وأكبر شيوخه: عكرمة وعطاء ونافع ومَن في طبقتهم، وهؤلاء روايتهم عن عثمان مرسلة.
(٣) برقم (١١٣٥٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٨١٠٣)، والطحاوي في «معاني الآثار» (٤٤٨١)، والدارقطني في «السنن» (٣٩٢٥، ٣٩٢٨)، من طريقين عن عمرو بن مرة، به. وتابع عمرًا عكرمةُ بن خالد، عند عبد الرزاق (١١٣٥٠) والدارقطني (٣٩٢٤)، والبيهقي (٧/ ٣٣٧)، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
وروى عبد الرزاق١ أيضًا عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء رجلٌ إلى ابن مسعودٍ، فقال: إنِّي طلَّقتُ امرأتي تسعًا وتسعين، فقال له ابن مسعودٍ: ثلاثٌ تُبِينُها [منك]٢، وسائرهنَّ عدوانٌ.
وذكر أبو داود في «سننه»٣ عن محمد بن إياس، أنَّ ابن عبَّاسٍ وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ سُئلوا عن البِكر يُطلِّقها زوجها ثلاثًا، فكلُّهم قال: لا تحلُّ له حتَّى تنكح زوجًا غيره.
قالوا: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ كما تسمعون قد أوقعوا الثَّلاث جملةً، ولو لم يكن فيهم إلّا٤ المحدَّث المُلْهَم وحده لكفى، فإنَّه لا يُظَنُّ به تغيير ما شرعه النَّبيُّ ﷺ من الطَّلاق الرَّجعيِّ، فيجعله محرَّمًا، وذلك يتضمَّن تحريمَ فرْجِ المرأة على من لم تحرم عليه، وإباحتَه لمن لا تحلُّ له، ولو فعل ذلك عمر لما أقرَّه عليه الصَّحابة، فضلًا عن أن يوافقوه، ولو كان عند ابن عبَّاسٍ حجَّةٌ عن رسول الله ﷺ أنَّ الثَّلاث واحدةٌ لم يخالفْها ويفتي٥
(١) برقم (١١٣٤٣)، وكذا سعيد بن منصور (١٠٦٣)، وابن أبي شيبة (١٨٠٩٧، ١٨٠٩٨، ١٨٠٩٩)، والطبراني في «الكبير» (٩٦٣٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣٢) من طرقٍ عن الأعمش به. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٣٣٨): «رجاله رجال الصحيح»، وسيأتي قول ابن حزم: «هذا خبر في غاية الصحة».
(٢) «منك» ليست في النسخ، وزيدت من «المصنف».
(٣) برقم (٢١٩٨)، وكذا أخرجه مالك في «الموطأ» (٢١١٠)، ومن طريقه الشافعي في «المسند» (ص ٢٧١)، وعبد الرزاق (١١٠٧١)، وابن أبي شيبة (١٨١٥٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٣٥،٣٥٥) من طرق عن محمد بن إياس به، وسنده صحيح.
(٤) بعدها «عمر» في المطبوع، وليس في النسخ.
(٥) كذا في النسخ بإثبات الياء، والصواب حذفها، فهي معطوفة على الفعل المجزوم.