زاد المعاد

ويراجعها بغير عددٍ، فنُسِخ ذلك وقُصِر على ثلاثٍ، فبها تنقطع الرَّجعة، فأين في ذلك الإلزامُ بالثَّلاث بفمٍ واحدٍ؟ ثمَّ كيف يستمرُّ المنسوخ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، لا تعلم به الأمة وهو من أهمِّ الأمور المتعلِّقة بحِلِّ الفروج؟ ثمَّ كيف يقول عمر: إنَّ النَّاس قد استعجلوا في شيءٍ كانت لهم فيه أَناةٌ١؟ وهل للأمة أناةٌ في المنسوخ بوجهٍ ما؟! ثمَّ كيف يُعارَضُ الحديث الصَّحيح بهذا الذي فيه عليُّ بن الحسين بن واقدٍ، وضعفه معلومٌ؟

وأمَّا حَمْلكم الحديثَ على قول المطلِّق: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، ومقصوده التَّأكيدُ بما بعد الأوَّل، فسياق الحديث من أوَّله إلى آخره يردُّه، فإنَّ هذا الذي أوَّلتم الحديث عليه لا يتغيَّر بوفاة رسول الله ﷺ، ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، وهلمَّ جرًّا إلى آخر الدَّهر، ومن ينويه في قصد التَّأكيد لا يُفرِّق بين برٍّ وفاجرٍ، وصادقٍ وكاذبٍ، بل يردُّه إلى نيَّته، وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مُطلَقًا برًّا كان أو فاجرًا.

وأيضًا فإنَّ قوله: «إنَّ النَّاس قد استعجلوا وتتايعوا في شيءٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أنَّا أمضيناه عليهم» إخبارٌ من عمر بأنَّ النَّاس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فُسْحةٍ منه، وشرعَه متراخيًا بعضُه عن بعضٍ رحمةً بهم، ورفقًا وأناةً لهم، لئلَّا يندم مُطلِّقٌ، فيذهبَ حبيبُه من يديه من أوَّل وَهْلةٍ، فيَعِزُّ عليه تداركُه، فجعل له أناةً ومهلةً يستعتبه فيها ويُرضيه، ويزول ما أحدثه العَتْب الدَّاعي إلى الفراق، ويراجع كلٌّ منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناةٌ ومهلةٌ، وأوقعوه بفمٍ واحدٍ، فرأى عمر ﵁ أنَّه

  1. (١) سبق تخريجه.
377

يلزمهم ما التزموه عقوبةً لهم، فإذا عَلِم المطلِّق أنَّ زوجته وسَكَنَه تَحرُم عليه من أوَّل مرَّةٍ بجمعِه الثَّلاثَ كفَّ عنها، ورجع إلى الطَّلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من تأديب عمر لرعيَّته لمَّا أكثروا من الطَّلاق الثَّلاث، كما سيأتي مزيدُ تقريرِه عند الاعتذار عن عمر ﵁ في إلزامه بالثَّلاث١. هذا وجه الحديث الذي لا وجهَ له غيرُه، فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث، بل تَنْبُو عنه وتُنافِره؟

وأمَّا قول من قال: إنَّ معناه: كان وقوع الطَّلاق الثَّلاث الآن على عهد رسول الله ﷺ واحدةً، فإنَّ حقيقة هذا التَّأويل: كان النَّاس على عهد رسول الله ﷺ يطلِّقون واحدةً، وعلى عهد عمر صاروا يطلِّقون ثلاثًا، والتَّأويلُ إذا وصل إلى هذا الحدِّ كان من باب الإلغاز والتَّحريف، لا من باب بيان المراد. ولا يصحُّ ذلك بوجهٍ، فإنَّ النَّاس ما زالوا يُطلِّقون واحدةً وثلاثًا، وقد طلَّق رجالٌ نساءهم على عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا، فمنهم من ردَّها إلى واحدةٍ، كما في حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، ومنهم من أَنكر عليه وغضب، وجعلَه متلاعبًا بكتاب اللَّه، ولم يُعرَف ما حَكَم به عليه، ومنهم من أقرَّه لتأكيد التَّحريم الذي أوجبه اللِّعان، ومنهم من ألزمَه بالثَّلاث لكون ما أتى به من الطَّلاق آخرَ الثَّلاثِ. فلا يصحُّ أن يقال: إنَّ النَّاس ما زالوا يُطلِّقون واحدةً إلى أثناء خلافة عمر، فطلَّقوا ثلاثًا، ولا يصحُّ أن يقال: إنَّهم قد استعجلوا في شيءٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فيُمْضِيه عليهم، ولا يلائم هذا الكلامُ الفرقَ بين عهد رسول الله ﷺ وبين عهده بوجهٍ ما، فإنَّه ماضٍ منكم على عهده وبعدَ عهدِه.

ثمَّ إنَّ في بعض ألفاظ الحديث الصَّحيحة: «ألم تَعلَمْ أنَّه من طلَّق ثلاثًا

  1. (١) د: «الثلاث».
378

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي