جُعِلت واحدةً على عهد رسول الله ﷺ؟»١. وفي لفظٍ٢: «أما علمتَ أنَّ الرَّجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر؟ فقال ابن عبَّاسٍ: بلى، كان الرَّجل إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلمَّا رأى النَّاسَ ــ يعني عمر ــ قد تَتَايَعُوا فيها، قال: أَجْرُوهنَّ٣ عليهم». هذا لفظ الحديث، وهو بأصحِّ إسنادٍ، وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التَّأويل بوجهٍ ما، ولكنَّ هذا كلَّه عملُ من جعل الأدلَّة تبعًا للمذهب، فاعتقد ثمَّ استدلَّ. وأمَّا من جعل المذهب تبعًا للدَّليل، واستدلَّ ثمَّ اعتقد، لم يُمكِنْه هذا العمل.
وأمَّا قول من قال: ليس في الحديث بيان أنَّ رسول الله ﷺ كان هو الذي يجعل ذلك، ولا أنَّه عَلِم به وأقرَّ عليه، فجوابه أن يقال: سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ أن يستمرَّ هذا الجَعْلُ الحرام ــ المتضمِّن لتغيير شرع الله ودينه، وإباحةِ الفرج لمن هو عليه حرامٌ، وتحريمِه على من هو عليه حلالٌ ــ على عهد رسول الله ﷺ وأصحابِه خيرِ الخلق، وهم يفعلونه ولا يعلمونه، ولا يعلمه هو والوحيُ ينزل، وهو يُقِرُّهم عليه. فهَبْ أنَّ رسول الله ﷺ لم يكن يعلمه، وكان الصَّحابة يعلمونه، ويُبدِّلون دينه وشرعه، والله يعلم ذلك، ولا يوحيه إلى رسوله، ولا يُعْلِمه به! ثمَّ يتوفَّى الله رسوله ﷺ والأمر على ذلك، فيستمرُّ
(١) أخرجه مسلم (١٤٧٢/ ١٦)، وقد تقدم.
(٢) عند أبي داود (٢١٩٩)، وقد تقدم تخريجه.
(٣) كذا في النسخ. وعند أبي داود: «أَجِيزُوهنّ» أو «أُجِيزُهنّ» على اختلاف النسخ، انظر طبعة دار القبلة (٣/ ٧٥).
هذا الضَّلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدَّة خلافة الصِّدِّيق كلَّها، يُعمَل به ولا يُغيَّر إلى أن فارق الصِّدِّيق الدُّنيا، فاستمرَّ الخطأ والضَّلال المركَّب صدرًا من خلافة عمر، حتَّى رأى عمر بعد ذلك برأيه أن يُلزِم النَّاسَ بالصَّواب! فهل في الجهل بالصَّحابة وما كانوا عليه في عهد نبيِّهم وخلفائه أقبحُ من هذا؟ وتاللَّه لو كان جعْلُ الثَّلاث واحدةً خطأً محضًا لكان أسهلَ من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتَّأويلِ الذي تأوَّلتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلَّة والأجوبة.
قالوا: وليس التَّحاكم في هذه المسألة إلى مقلِّدٍ متعصِّبٍ، ولا هَيَّابٍ للجمهور، ولا مستوحشٍ من التَّفرُّد إذا كان الصَّواب في جانبه، وإنَّما التَّحاكم فيها إلى راسخٍ في العلم قد طال فيه١ باعُه، ورَحُبَ بنَيْلِه ذراعُه، وفَرَّق بين الشُّبهة والدَّليل، وتلقَّى الأحكامَ من نفس مشكاة الرَّسول، وعرف المراتب، وقام فيها بالواجب، وباشرَ قلبُه أسرارَ الشَّريعة وحِكَمَها الباهرة، وما تضمَّنته من المصالح الباطنة والظَّاهرة، وخاضَ في مثل هذه المضايق لُجَجَها، واستوفى من الجانبين حُجَجَها، والله المستعان، وعليه التُّكلان.
قالوا: وأمَّا قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا فيما عليه الصَّحابة ﵁، فنعم واللهِ وحيَّهلا بِيَزَكِ٢ الإسلام، وعِصابة الإيمان.
(١) في المطبوع: «منه» خلاف النسخ.
(٢) في المطبوع: «بيرك». د: «ينزك». ز، ب: «بترك». وكله تصحيف، والمثبت من ص. ويزك كلمة فارسية، معناها: طلائع الجيش. انظر الكلام عليها في التعليق على «النونية» (٢/ ٥٧١)، و«أعلام الموقعين» (١/ ١٨).