زاد المعاد

هذا الضَّلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدَّة خلافة الصِّدِّيق كلَّها، يُعمَل به ولا يُغيَّر إلى أن فارق الصِّدِّيق الدُّنيا، فاستمرَّ الخطأ والضَّلال المركَّب صدرًا من خلافة عمر، حتَّى رأى عمر بعد ذلك برأيه أن يُلزِم النَّاسَ بالصَّواب! فهل في الجهل بالصَّحابة وما كانوا عليه في عهد نبيِّهم وخلفائه أقبحُ من هذا؟ وتاللَّه لو كان جعْلُ الثَّلاث واحدةً خطأً محضًا لكان أسهلَ من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتَّأويلِ الذي تأوَّلتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلَّة والأجوبة.

قالوا: وليس التَّحاكم في هذه المسألة إلى مقلِّدٍ متعصِّبٍ، ولا هَيَّابٍ للجمهور، ولا مستوحشٍ من التَّفرُّد إذا كان الصَّواب في جانبه، وإنَّما التَّحاكم فيها إلى راسخٍ في العلم قد طال فيه١ باعُه، ورَحُبَ بنَيْلِه ذراعُه، وفَرَّق بين الشُّبهة والدَّليل، وتلقَّى الأحكامَ من نفس مشكاة الرَّسول، وعرف المراتب، وقام فيها بالواجب، وباشرَ قلبُه أسرارَ الشَّريعة وحِكَمَها الباهرة، وما تضمَّنته من المصالح الباطنة والظَّاهرة، وخاضَ في مثل هذه المضايق لُجَجَها، واستوفى من الجانبين حُجَجَها، والله المستعان، وعليه التُّكلان.

قالوا: وأمَّا قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا فيما عليه الصَّحابة ﵁، فنعم واللهِ وحيَّهلا بِيَزَكِ٢ الإسلام، وعِصابة الإيمان.

  1. (١) في المطبوع: «منه» خلاف النسخ.
  2. (٢) في المطبوع: «بيرك». د: «ينزك». ز، ب: «بترك». وكله تصحيف، والمثبت من ص. ويزك كلمة فارسية، معناها: طلائع الجيش. انظر الكلام عليها في التعليق على «النونية» (٢/ ٥٧١)، و«أعلام الموقعين» (١/ ١٨).
380
فلا تَطلَّبْ ليَ الأعواضَ بعدَهُمُفإنَّ قلبيَ لا يَرضى بغيرِهِمُ١

ولكن لا يليق أن تَدْعُونا إلى شيءٍ، وتكونوا أوَّلَ نافرٍ عنه ومخالفٍ له، فقد توفِّي النَّبيُّ ﷺ عن أكثر من مائة ألفِ عينٍ كلُّهم قد رآه وسمع منه، فهل صحَّ لكم عن هؤلاء كلِّهم، أو عُشُرِهم، أو عُشُرِ عُشُرِهم، أو عُشُرِ عُشُرِ عُشُرِهم، القولُ بلزوم الثَّلاث بفمٍ واحدٍ؟ هذا، ولو جهدتم كلَّ الجهد لم تُطيقوا نقلَه عن عشرين نفسًا منهم أبدًا مع اختلافٍ عنهم في ذلك، فقد٢ صحَّ عن ابن عبَّاسٍ القولان، وصحَّ عن ابن مسعودٍ القول باللُّزوم، وصحَّ عنه التَّوقُّف٣، ولو كاثَرْناكم بالصَّحابة الذين كان الثَّلاث على عهدهم واحدةً لكانوا أضعافَ من نُقِل عنه خلاف ذلك، ونحن نكاثركم بكلِّ صحابيٍّ مات إلى صدرٍ من خلافة عمر، ويكفينا مُقدَّمُهم، وخيرهم وأفضلهم، ومن كان معه من الصَّحابة على عهده، بل لو شئنا لقلنا ولصَدَقْنا: إنَّ هذا كان إجماعًا قديمًا لم يَختلف فيه على عهد الصِّدِّيق اثنان، ولكن لم ينقرِضْ عصر المُجمِعين حتَّى حدث الاختلاف، فلم يستقرَّ الإجماع الأوَّل حتَّى صار الصَّحابة على قولين، واستمرَّ الخلاف بين الأمَّة في ذلك إلى اليوم٤.

  1. (١) البيت للشريف الرضي في «ديوانه» (٢/ ٢٧٥)، ورواية الشطر الأول فيه:
    لا تطلبنَّ لي الأبدالَ بعدهمُ
  2. (٢) «فقد» ليست في د.
  3. (٣) سبق تخريج آثارهما.
  4. (٤) انظر: «تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة» للشيخ سليمان العمير، ط. دار عالم الفوائد بمكة المكرمة ١٤٢٨.
381

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي