جميعهم، حكاه عنهم أبو محمَّد بن حزمٍ١، واحتجُّوا بعموم النُّصوص الواردة في الطَّلاق وإطلاقها، وعدم تفريقها بين حرٍّ وعبدٍ، ولم تُجمِع الأمَّة على التَّفريق، فقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه أفتى غلامًا له برجعة زوجته بعد طلقتين، وكانت أمةً٢.
وفي هذا النَّقل٣ عن ابن عبَّاسٍ نظرٌ، فإنَّ عبد الرزاق٤ روى عن ابن جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ، أنَّ أبا معبد أخبره: أنَّ عبدًا كان لابن عبَّاسٍ، وكانت له امرأةٌ جاريةٌ لابن عبَّاسٍ، فطلَّقها فبتَّها، فقال له ابن عبَّاسٍ: لا طلاق لك، فارجِعْها.
قال عبد الرزاق: ثنا معمر، عن سِماك بن الفضل: أنَّ العبد سأل ابن عمر فقال: لا ترجِعْ إليها وإن ضُرِب رأسُك٥.
فمأخذ هذه الفتوى أنَّ طلاق العبد بيد سيِّده، كما أنَّ نكاحه بيده، كما روى عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، عن الثَّوريِّ، عن عبد الكريم الجَزَريِّ، عن عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: ليس طلاق العبد ولا فُرقته بشيءٍ٦.
(١) في «المحلى» (١٠/ ٢٣٠).
(٢) في الأثر السابق.
(٣) «النقل» ليست في م.
(٤) في «المصنف» (١٢٨٤٣، ١٢٩٦٢) وقد صرح ابن جريج بالسماع في أولى الروايتين، فانتفت شبهة تدليسه، وسنده على شرط الشيخين.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٢٩٦٣) من طريق معمر، عن سماك بن الفضل، أن العبد سأل ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف لانقطاعه؛ لم يدرك سماكٌ ابنَ عمر.
(٦) أخرجه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٣٠) من طريق ابن المثنى عن ابن مهدي به، وسنده صحيح.
وذكر عبد الرزاق١ عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبير، أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد: سيِّدهما يَجمع بينهما ويُفرِّق. وهذا قول أبي الشعثاء٢. وقال الشَّعبيُّ٣: أهل المدينة لا يرون للعبد طلاقًا إلا بإذن سيِّده.
فهذا مأخذ ابن عبَّاسٍ، لا أنَّه يرى طلاق العبد ثلاثًا إذا كان تحته أمةٌ، وما علمنا أحدًا من الصَّحابة قال بذلك.
القول الثَّاني: إنه أيُّ الزَّوجين رقَّ كان الطَّلاق بسبب رِقِّه اثنتين، كما روى حمَّاد بن سلمة عن عبيد الله٤ بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: الحرُّ يُطلِّق الأمة تطليقتين، وتعتدُّ حيضتين، والعبد يُطلِّق الحرَّة تطليقتين، وتعتدُّ ثلاث٥ حيضٍ٦. وإلى هذا ذهب عثمان البتِّيُّ.
(١) في «المصنف» (١٢٩٦٤)، وسنده صحيح، وقد صرَّح فيه ابن جريج وأبو الزبير بالسماع؛ فانتفت شبهة تدليسهما.
(٢) رواه عنه عبد الرزاق (١٢٩٦٥) بسند صحيح.
(٣) أخرجه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٣١) معلَّقًا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(٤) في المطبوع، م، د، ص: «عبد الله» مكبَّرًا، وهو تصحيف، إذ لا رواية لحماد عنه أصلًا.
(٥) م: «ثلاثة».
(٦) ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٢٣٣) عن حماد بن سلمة به. ورواه بنحوه ابن أبي شيبة (١٨٥٦٢)، والدارقطني في «السنن» (٤٠٠٠) من طرق عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وهو المحفوظ، وقد روي عنه من وجه آخر مرفوعًا، ولا يصح.