الضحّاك العامرية، رجعتْ إلى أهلها. وقال ابن حبيب: قد كان دخل بها. انتهى. وقيل: لم يدخل بها، وكانت تلتقط بعدَ ذلك البَعْرَ، وتقول: أنا الشَّقيَّة١.
واختلف النَّاس في هذا التَّخيير، في موضعين: أحدهما: في أيِّ شيءٍ كان؟ والثَّاني: في حكمه.
فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه الجمهور أنَّه كان بين المقام معه والفراق، وذكر عبد الرزاق في «مصنَّفه»٢ عن الحسن: أنَّ الله تعالى إنَّما خيَّرهنَّ بين الدُّنيا والآخرة، ولم يخيِّرهنَّ في الطَّلاق. وسياقُ القرآن وقولُ عائشة يردُّ قولَه، ولا ريبَ أنَّه سبحانه خيَّرهنَّ بين الله ورسوله والدَّار الآخرة، وبين الحياة الدُّنيا وزينتها، وجعلَ موجَبَ اختيارِهنَّ الله ورسولَه والدَّار الآخرة المُقامَ مع رسوله، وموجَبَ اختيارهنَّ الدُّنيا وزينتَها أن يُمتِّعهنَّ ويُسرِّحهنَّ سراحًا جميلًا، وهو الطَّلاق بلا شكٍّ ولا نزاعٍ.
وأمَّا اختلافهم في حكمه، ففي موضعين. أحدهما: في حكم٣ اختيار الزَّوج، والثَّاني: في حكم اختيار النَّفس.
(١) انظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ١٤٢)، و«الاستيعاب» (٤/ ١٨٩٩)، و«الإصابة» (٤/ ١٠٤ وما بعدها).
(٢) برقم (١١٩٨٤) وفي سنده راوٍ لم يُسَمَّ، وأخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٢٠/ ٢٥٢) من طريق قتادة عنه: «أن الله خيرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار»، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) «حكم» ليست في ز.
فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه معظم أصحاب النَّبيِّ ﷺ ونساؤه كلُّهنَّ ومعظم الأمَّة: أنَّ من اختارت زوجَها لم تَطْلُق، ولا يكون التَّخيير بمجرَّده طلاقًا، صحَّ ذلك عن عمر١ وابن مسعودٍ٢ وابن عبَّاسٍ٣ وعائشة. قالت عائشة: خَيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم نَعُدَّه٤ طلاقًا٥. وعن أم سلمة وقَرِيبةَ٦ أختِها وعبدِ الرحمن بن أبي بكر٧.
(١) رواه ابن أبي شيبة (١٨٤٠٢) والبيهقي (٧/ ٣٤٥) بسند صحيح من طريق زاذان، وكذا أبو يوسف في «الآثار» (٦٣٣) وسعيد بن منصور (١٦٤٩) بسند منقطع.
(٢) رواه عنه أبو يوسف في «الآثار» (٦٣٣)، وعبد الرزاق (١١٩٧٣، ١١٩٧٥)، والطبراني في «الكبير» (٩٦٥٣، ٩٦٥٦) بأسانيد منقطعة.
(٣) روى ابن أبي شيبة (١٨٤٠٩) من طريق طاوس عنه: أنه كان يقول في الخيار مثل قول عمر وعبد الله. وفي سنده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(٤) د، ص، ح: «يعده». والمثبت من م موافق للرواية.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٧٧).
(٦) بفتح أوله، ويقال بالتصغير، كما في «الإصابة» (١٤/ ١٣٤).
(٧) أخرج مالك ــ رواية محمد بن الحسن ــ (٥٦٧)، وبنحوه عبد الرزاق (١١٨٩٦)، من طريق القاسم بن محمد عن عائشة: أنها خَطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ بنتَ أبي أمية، فزوَّجوه، ثم إنهم عَتبوا على عبد الرحمن، وقالوا ــ القائل أمُّ سلمة ــ: ما زوَّجْنا إلا عائشة، فأرسلتْ عائشةُ إلى عبد الرحمن فذكرتْ ذلك له، فجعل أمرَ قريبة بيدها، فاختارت زوجها فلم يكن ذلك طلاقًا. وعند عبد الرزاق: «فقالت أم سلمة لأختها: أما عائشة فقد قضت مدَّتها، وأما أنتِ فأحدثي من أمركِ ما شئت». وفي الباب عن عائشة أيضًا عند مالك (٥٦٨) وسعيد بن منصور (١٦٦٢) في قصة أخرى مشابهة.