فأمَّا الأوَّل، فالَّذي عليه معظم أصحاب النَّبيِّ ﷺ ونساؤه كلُّهنَّ ومعظم الأمَّة: أنَّ من اختارت زوجَها لم تَطْلُق، ولا يكون التَّخيير بمجرَّده طلاقًا، صحَّ ذلك عن عمر١ وابن مسعودٍ٢ وابن عبَّاسٍ٣ وعائشة. قالت عائشة: خَيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم نَعُدَّه٤ طلاقًا٥. وعن أم سلمة وقَرِيبةَ٦ أختِها وعبدِ الرحمن بن أبي بكر٧.
(١) رواه ابن أبي شيبة (١٨٤٠٢) والبيهقي (٧/ ٣٤٥) بسند صحيح من طريق زاذان، وكذا أبو يوسف في «الآثار» (٦٣٣) وسعيد بن منصور (١٦٤٩) بسند منقطع.
(٢) رواه عنه أبو يوسف في «الآثار» (٦٣٣)، وعبد الرزاق (١١٩٧٣، ١١٩٧٥)، والطبراني في «الكبير» (٩٦٥٣، ٩٦٥٦) بأسانيد منقطعة.
(٣) روى ابن أبي شيبة (١٨٤٠٩) من طريق طاوس عنه: أنه كان يقول في الخيار مثل قول عمر وعبد الله. وفي سنده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(٤) د، ص، ح: «يعده». والمثبت من م موافق للرواية.
(٥) أخرجه مسلم (١٤٧٧).
(٦) بفتح أوله، ويقال بالتصغير، كما في «الإصابة» (١٤/ ١٣٤).
(٧) أخرج مالك ــ رواية محمد بن الحسن ــ (٥٦٧)، وبنحوه عبد الرزاق (١١٨٩٦)، من طريق القاسم بن محمد عن عائشة: أنها خَطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ بنتَ أبي أمية، فزوَّجوه، ثم إنهم عَتبوا على عبد الرحمن، وقالوا ــ القائل أمُّ سلمة ــ: ما زوَّجْنا إلا عائشة، فأرسلتْ عائشةُ إلى عبد الرحمن فذكرتْ ذلك له، فجعل أمرَ قريبة بيدها، فاختارت زوجها فلم يكن ذلك طلاقًا. وعند عبد الرزاق: «فقالت أم سلمة لأختها: أما عائشة فقد قضت مدَّتها، وأما أنتِ فأحدثي من أمركِ ما شئت». وفي الباب عن عائشة أيضًا عند مالك (٥٦٨) وسعيد بن منصور (١٦٦٢) في قصة أخرى مشابهة.
وصحَّ عن علي١ وزيد بن ثابتٍ٢ وجماعةٍ من الصَّحابة: أنَّها إن اختارتْ زوجَها فهي طلقةٌ رجعيَّةٌ، وهو قول الحسن٣، وروايةٌ عن أحمد رواها عنه إسحاق بن منصورٍ، قال٤: إن اختارت زوجها فواحدةٌ يملك الرَّجعة، وإن اختارت نفسَها فثلاثٌ. قال أبو بكر٥: انفرد بهذا إسحاق بن منصورٍ، والعمل على ما رواه الجماعة.
(١) جاء عن علي ثلاثُ روايات، أشهرها: إن اختارت نفسها فتطليقة بائنة، وإلا فتطليقة رجعية، رواه ابن أبي شيبة (١٨٤٠٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٤٥) بسند صحيح من طريق زاذان عنه. ورواه أبو يوسف في «الآثار» (٦٣٢)، وعبد الرزاق (١١٩٧٤، ١١٩٧٧)، وابن أبي شيبة (١٨٣٩٨)، وسعيد بن منصور (١٦٥٠)، بأسانيد منقطعة. وثانيها: إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، وإلا فلا شيء. دلَّ عليه أثر زاذان السابق، وفيه: أنه إنما قال به متابعةً لعمر، ثم رجع عنه إلى الأوَّل. وثالثها: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإلا فلا شيء عليها. رواه عبد الرزاق (١١٩٨١) من طريق أبي جعفر الباقر عنه، ولم يُدركْه، ونقل عنه الباقر أيضًا قولًا كعمر! انظر: «معرفة السنن» (١١/ ٥٤).
(٢) جاء عن زيد روايتان: أشهرهما: إن اختارت نفسها فثلاث، وإلا فواحدة بائنة، رواه ابن أبي شيبة (١٨٤٠٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٤٥) وسنده صحيح. ورواه عبد الرزاق (١١٩٧٩)، وسعيد بن منصور (١٦٥١) وابن أبي شيبة (١٨٤٠٤) بأسانيد منقطعة. الثانية: إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، وإلا فلا شيء، كقول عمر. رواه عبد الرزاق (١١٩٧٦، ١١٩٩٦) وابن أبي شيبة (١٨٤٠٥) عنه بسند صحيح.
(٣) رواه عبد الرزاق (١١٩٧٨، ١١٩٧٩) بلفظ: «إن خيرها فاختارت زوجها فهي واحدة هو أملك بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث». وفي سنده راوٍ لم يُسمّ. وانظر: «الاستذكار» (٦/ ٧٢ - ٧٦)، و«الفتح» (٩/ ٣٦٨)، و«المغني» (١٠/ ٣٩١).
(٤) كما في «المغني» (١٠/ ٣٩١). وانظر: «مسائله» (٤/ ١٧٥٧).