ثمَّ هاهنا فروعٌ كثيرةٌ مضطربةٌ غاية الاضطراب، لا دليلَ عليها من كتابٍ ولا سنَّةٍ ولا إجماعٍ، والزَّوجة زوجتُه حتَّى يقوم دليلٌ على زوال عصمته عنها.
قالوا: ولم يجعل الله إلى النِّساء شيئًا من النِّكاح ولا من الطَّلاق، وإنَّما جعل ذلك إلى الرِّجال، وقد جعل الله سبحانه الرِّجال قوَّامين على النِّساء، إن شاءوا أمسكوا، وإن شاؤوا طلَّقوا، فلا يجوز للرَّجل أن يجعل المرأة قوَّامةً عليه، إن شاءت أمسكتْ، وإن شاءت طلَّقتْ.
قالوا: ولو أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيءٍ لم نتعدَّ إجماعَهم، ولكن اختلفوا، فطلبنا الحجَّة لأقوالهم من غيرها، فلم نجد الحجَّة تقوم إلا على هذا القول، وإن كان من رُوِي عنه قد رُوِي عنه خلافُه أيضًا. وقد أبطل من ادَّعى الإجماع في ذلك، فالنِّزاع ثابتٌ بين الصَّحابة والتَّابعين كما حكيناه، والحجَّة لا تقوم بالخلاف. فهذا ابن عبَّاسٍ وعثمان بن عفَّان قد قالا: إنَّ تمليك الرَّجل لامرأتِه أمرَها ليس بشيءٍ١. وابن مسعودٍ يقول فيمن جعل أمر امرأته بيدِ آخرَ فطلَّقها: ليس بشيءٍ٢. وطاوس يقول فيمن ملَّك امرأتَه أمرَها: ليس إلى النِّساء طلاقٌ، ويقول فيمن ملَّك رجلًا أمرَ امرأتِه أيملك الرَّجل أن يطلِّقها؟ قال: لا٣.
قلت: أمَّا المنقول عن طاوسٍ فصحيحٌ صريحٌ، لا مطعَن فيه سندًا وصراحةً.
(١) سبق قريبًا.
(٢) سبق قريبًا.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
وأمَّا المنقول عن ابن مسعودٍ فمختلفٌ، فنُقِل عنه موافقة عليٍّ وزيدٍ في الوقوع، كما رواه ابن أبي ليلى عن الشَّعبيِّ: أنَّ «أمرك بيدك» و«اختاري» سواءٌ في قول علي وابن مسعودٍ وزيد١، ونقل عنه فيمن قال لامرأته: «أمرُ فلانة بيدكِ إن أدخلتِ هذا العدلَ البيتَ»، ففعلتْ، أنَّها امرأته، ولم يُطلِّقها عليه٢.
وأمَّا المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان فإنَّما هو فيما إذا أضافت المرأةُ الطَّلاقَ إلى الزَّوج، وقالت: أنت طالقٌ. وأحمد وغيرُه٣ يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطَّلاق، إذا اختارتْ نفسَها أو طلَّقتْ نفسَها.
فلا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة إلغاءُ التَّخيير والتَّمليكِ البتَّةَ إلا هذه الرِّواية عن ابن مسعودٍ، وقد رُوِي عنه خلافها، والثَّابت عن الصَّحابة اعتبارُ ذلك ووقوعُ الطَّلاق به، وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدَّم.
والقول بأنَّ ذلك لا أثرَ له لا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة البتَّةَ، وإنَّما وهِمَ أبو محمد في المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان، ولكن هذا مذهب طاوسٍ، وقد نُقل عن عطاء ما يدلُّ على ذلك، فروى عبد الرزاق٤ عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: رجلٌ قال لامرأته: أمركِ بيدكِ بعد يومٍ أو يومين، قال:
(١) أخرجه البيهقي (٧/ ٣٤٩)، وعبد الرزاق (١١٩٧١) وفيه: «عمر» مكان «ابن مسعود».
(٢) سبق قريبًا.
(٣) في المطبوع: «ومالك» خلاف جميع النسخ.
(٤) في «المصنف» (١١٩٤٨، ١١٩٥٤)، وسنده صحيح. وهو في «المحلى» (١٠/ ١١٩) بلفظ المؤلف.