زاد المعاد

وأمَّا المنقول عن ابن مسعودٍ فمختلفٌ، فنُقِل عنه موافقة عليٍّ وزيدٍ في الوقوع، كما رواه ابن أبي ليلى عن الشَّعبيِّ: أنَّ «أمرك بيدك» و«اختاري» سواءٌ في قول علي وابن مسعودٍ وزيد١، ونقل عنه فيمن قال لامرأته: «أمرُ فلانة بيدكِ إن أدخلتِ هذا العدلَ البيتَ»، ففعلتْ، أنَّها امرأته، ولم يُطلِّقها عليه٢.

وأمَّا المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان فإنَّما هو فيما إذا أضافت المرأةُ الطَّلاقَ إلى الزَّوج، وقالت: أنت طالقٌ. وأحمد وغيرُه٣ يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطَّلاق، إذا اختارتْ نفسَها أو طلَّقتْ نفسَها.

فلا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة إلغاءُ التَّخيير والتَّمليكِ البتَّةَ إلا هذه الرِّواية عن ابن مسعودٍ، وقد رُوِي عنه خلافها، والثَّابت عن الصَّحابة اعتبارُ ذلك ووقوعُ الطَّلاق به، وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدَّم.

والقول بأنَّ ذلك لا أثرَ له لا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة البتَّةَ، وإنَّما وهِمَ أبو محمد في المنقول عن ابن عبَّاسٍ وعثمان، ولكن هذا مذهب طاوسٍ، وقد نُقل عن عطاء ما يدلُّ على ذلك، فروى عبد الرزاق٤ عن ابن جريجٍ، قلت لعطاء: رجلٌ قال لامرأته: أمركِ بيدكِ بعد يومٍ أو يومين، قال:

  1. (١) أخرجه البيهقي (٧/ ٣٤٩)، وعبد الرزاق (١١٩٧١) وفيه: «عمر» مكان «ابن مسعود».
  2. (٢) سبق قريبًا.
  3. (٣) في المطبوع: «ومالك» خلاف جميع النسخ.
  4. (٤) في «المصنف» (١١٩٤٨، ١١٩٥٤)، وسنده صحيح. وهو في «المحلى» (١٠/ ١١٩) بلفظ المؤلف.
424

ليس هذا بشيءٍ. قلت: فأرسل إليها رجلًا أنَّ أمرها بيدها يومًا أو ساعةً، قال: ما أدري ما هذا؟ ما أظنُّ هذا شيئًا. قلت لعطاءٍ: أملَّكتْ عائشةُ حفصةَ١ حين ملَّكها المنذر بن الزبير [أمرَها]٢؟ قال عطاء: لا، إنَّما عرضت عليهم٣ أَيُطلِّقها أم لا، ولم يُملِّكها أمْرَها.

ولولا هيبة أصحاب رسول الله ﷺ لما عدَلْنا عن هذا القول، ولكن أصحاب رسول الله ﷺ هم القدوة وإن اختلفوا في حكم التَّخيير، ففي ضمن اختلافهم اتَّفاقُهم على اعتبارِ التَّخييرِ وعدمِ إلغائه، ولا مفسدةَ في ذلك. والمفسدة التي ذكرتموها في كون الطَّلاق بيد المرأة، إنَّما تكون لو كان بيدها استقلالًا، فأمَّا إذا كان الزَّوج هو المستقلُّ بها، فقد تكون المصلحة له في تفويضها إلى المرأة، ليصير حاله معها على بيِّنةٍ، إن أحبَّتْه أقامتْ معه، وإن كرهتْه فارقتْه، فهذا مصلحةٌ له ولها، وليس في هذا ما يقتضي تغييرَ شرعِ الله وحكمته، ولا فرقَ بين توكيلِ المرأة في طلاق نفسها وتوكيلِ الأجنبيِّ، ولا معنى لمنع توكيل الأجنبيِّ في الطَّلاق، كما يصحُّ توكيله في النِّكاح والخلع.

وقد جعل الله سبحانه للحكمينِ النَّظرَ في حال الزَّوجين عند الشِّقاق، إن رأيا التَّفريق فرَّقا، وإن رأيا الجمع جمعَا، وهو طلاقٌ أو فسخٌ من غير الزَّوج، إمَّا برضاه إن قيل: هما وكيلان، أو بغير رضاه إن قيل: هما حَكَمان. وقد

  1. (١) هي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، زوَّجتْها عائشةُ المنذرَ، انظر القصة في «الموطأ» (١٥٩٦).
  2. (٢) الزيادة من «المصنف» و«المحلى» ليستقيم السياق.
  3. (٣) كذا في «المحلى»، ومنه نقل المؤلف. وفي «المصنَّف»: «عليها» و«لتطلقها» و«لم تملكها».
425

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي