زاد المعاد

وأكثر ما كان يبول وهو قاعد، حتَّى قالت عائشة: من حدَّثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدِّقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا١. وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ من حديث حذيفة أنه ﷺ بال قائمًا. فقيل: هذا بيان للجواز، وقيل: إنما فعله من وجع كان بمَأْبِضه، وقيل: فعله استشفاءً. قال الشافعي: والعرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائمًا٣. والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزُّهًا وبعدًا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سُبَاطة قوم ــ وهي مُلقى الكُناسة ــ وتسمَّى المزبلة، وهي تكون مرتفعةً، فلو بال فيها الرجل قاعدًا لارتدَّ عليه بولُه. وهو ﷺ استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط، فلم يكن بدٌّ من بوله قائمًا. والله أعلم.

وقد ذكر الترمذي٤ عن عمر بن الخطاب قال: رآني النبيُّ ﷺ وأنا أبول

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٥٠٤٠) والترمذي (١٢) والنسائي في «المجتبى» (٢٩) وفي «الكبرى» (٢٥) وابن ماجه (٣٠٧) وابن حبان (١٤٣٠) والحاكم (١/ ١٨١، ١٨٥) وصححه، وقال الترمذي: «حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح». وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠١).
  2. (٢) برقم (٢٧٣). وأخرجه أيضًا البخاري (٢٢٤).
  3. (٣) نقله البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ١٠١) وقال: «وقد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى بمعناه». وانظر: «معرفة السنن» (١/ ٣٤١). ونسبه في «الفتح» (١/ ٣٣٠) إلى أحمد أيضًا.
  4. (٤) عقب الحديث (١٢). وأخرجه عبد الرزاق (١٥٩٢٤) ــ ومن طريقه ابن ماجه (٣٠٨) وأبو عوانة (٥٨٩٩) ــ عن ابن جريج عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر به. وأخرجه ابن حبان (١٤٢٣) من طريق آخر عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر، وابن جريج لم يسمعه من نافع، بل سمعه من عبد الكريم بن أبي المخارق. قال الألباني في «الصحيحة» (١/ ٢٠٠): «وأما النهي عن البول قائمًا فلم يصح فيه حديث، مثل حديث: «لا تبل قائمًا»، وانظر: «الضعيفة» (٩٣٨).
180

قائمًا، فقال: «يا عمر، لا تَبُل قائمًا». قال: فما بُلتُ قائمًا بعد. قال الترمذي: وإنما رفعه١ عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث.

وفي «مسند البزار»٢ وغيره من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده». ورواه الترمذي٣ وقال: هو غير محفوظ. وقال البزار٤: «لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله»، ولم يجرحه بشيء. وقال ابن أبي حاتم٥: هو بصري ثقة مشهور.

  1. (١) والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٣٣) بإسناد صحيح عن عمر: «ما بلتُ قائمًا منذ أسلمتُ».
  2. (٢) (١٠/ ٣٠٥). وأخرجه أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦) والطبراني في «الأوسط» (٥٩٩٨). ولفظ البخاري: «أربع من الجفاء ... وأن يسمع المنادي ثم لا يتشهد مثل ما يتشهد». وقد اختلف على عبد الله بن بريدة، فرواه كَهْمَس بن الحسن عنه أنه قال: كان يقال: أربع من الجفاء ...، أخرجه ابن أبي شيبة (٤٧٤٧). ورواه قتادة عن ابن بريدة عن ابن مسعود قال: أربع من الجفاء ...، أخرجه البيهقي (٢/ ٢٨٥). ورجَّح الوقف ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٣٤٥). وانظر للتفصيل: «أنيس الساري» (١٠/ ٥١٦ - ٥١٧).
  3. (٣) عقب الحديث (١٢). ونقل البيهقي (٢/ ٢٨٥) عن البخاري أنه قال: «هذا حديث منكر، يضطربون فيه».
  4. (٤) في «البحر الزخار» (١٠/ ٣٠٥).
  5. (٥) انظر: «الجرح والتعديل» (٤/ ٣٨ - ٣٩).
181

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي