ثمَّ قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»١، وهذا التَّحريم كذلك، فيكون ردًّا باطلًا.
قالوا: ولأنَّه لا فرقَ بين تحريم الحلال وتحليل الحرام، وكما أنَّ هذا الثَّاني لغوٌ لا أثر له، فكذلك الأوَّل.
قالوا: ولا فرقَ بين قوله لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، وبين قوله لطعامه: هو٢ حرامٌ.
قالوا: وقوله: أنت عليَّ حرامٌ، إمَّا أن يريد به إنشاءَ تحريمها أو الإخبارَ عنها بأنَّها حرامٌ، وإنشاءُ التحريم محالٌ، فإنَّه ليس إليه، إنَّما هو إلى من أحلَّ الحلال وحرَّم الحرام وشرع الأحكام، وإن أراد الإخبار فهو كذبٌ، فهو إمَّا خبرٌ كاذبٌ أو إنشاءٌ باطلٌ، وكلاهما لغوٌ من القول.
قالوا: ونظرنا فيما سوى هذا القول، فرأيناها أقوالًا مضطربةً متعارضةً، يردُّ بعضها بعضًا، فلم نُحرِّم الزَّوجة بشيءٍ منها بغير برهانٍ من الله ورسوله، فنكون قد ارتكبنا أمرين: تحريمها على الأوَّل، وإحلالها لغيره، والأصل بقاء النِّكاح حتَّى تُجمِع الأمَّة أو يأتي برهانٌ من الله ورسوله على زواله، فيتعيَّن القول به. فهذا حجَّة هذا الفريق٣.
فصل
وأمَّا من قال: إنَّه ثلاثٌ بكلِّ حالٍ، إن ثبت هذا عنه فيُحتَجُّ له بأنَّ
(١) سبق تخريجه.
(٢) في المطبوع بعدها: «عليَّ»، وليست في النسخ.
(٣) د: «هذه الفرق».
التَّحريم جُعِل كنايةً في الطَّلاق، وأعلى أنواعه تحريم الثَّلاث، فيُحمَل على أعلى أنواعه احتياطًا للأبضاع.
وأيضًا فإنَّا تيقَّنَّا التَّحريم بذلك، وشككنا: هل هو تحريمٌ تُزِيله الكفَّارة كالظِّهار، أو يُزِيله تجديد العقد كالخلع، أو لا يُزِيله إلا زوجٌ وإصابةٌ كتحريم الثَّلاث؟ وهذا متيقَّنٌ، وما١ دونه مشكوكٌ فيه، فلا يحلُّ بالشَّكِّ.
قالوا: ولأنَّ الصَّحابة أفتوا في الخليَّة والبريَّة بأنَّها ثلاثٌ. قال الإمام أحمد٢: هو عن علي٣ وابن عمر٤ صحيحٌ. ومعلومٌ أنَّ غاية الخليَّة والبريَّة أن تصير إلى التَّحريم، فإذا صرَّح بالغاية فهي أولى لأن تكون ثلاثًا. ولأنَّ المُحرِّم لا يسبق إلى وهمه تحريمُ امرأته بدون الثَّلاث، فكأنَّ هذا اللَّفظ صار حقيقةً عرفيَّةً في إيقاع الثَّلاث.
وأيضًا فالواحدة لا تُحرِّم إلا بعوضٍ، أو قبل الدُّخول، أو عند تقييدها بكونها بائنةً عند من يراه، فالتَّحريم بها مقيَّدٌ. فإذا أطلق التَّحريم ولم يقيِّد انصرف إلى التَّحريم المُطْلَق، الذي يثبت قبل الدُّخول وبعده، وبعوضٍ وغيره، وهو الثَّلاث.
(١) د: «وأما».
(٢) كما في «المغني» (١٠/ ٣٦٥).
(٣) أخرجه أحمد كما في «العلل» (٣/ ٣٧٨)، وعبد الرزاق (١١١٧٦)، وسعيد بن منصور (١٦٧٨)، والبيهقي (٧/ ٣٤٤) من طرق كلها منقطعة. وقد سبق تصحيحه عنه من وجه آخر.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٨٧) ــ وعنه الشافعي في «الأم» (٧/ ٢٣٧) ــ وعبد الرزاق (١١١٨٤)، وسعيد بن منصور (١٦٧٩)، وسنده في غاية الصحة والجلالة.