وأيضًا فإنَّ المنع من فعله بالتَّحريم كالمنع منه باليمين، بل أقوى، فإنَّ اليمين إن تضمَّنتْ١ هَتْكَ حرمة اسمه سبحانه، فالتَّحريم تضمَّن هتْكَ حرمة شرعه وأمره، فإنَّه إذا شرع الشَّيء حلالًا، فحرَّمه المكلَّف= كان تحريمه هتكًا لحرمة ما شرعه.
ونحن نقول: لم يتضمَّن الحنث في اليمين هتْكَ حرمة الاسم، ولا التَّحريمُ هتْكَ حرمة الشَّرع، كما يقوله من يقوله من الفقهاء، وهو تعليلٌ فاسدٌ جدًّا، فإنَّ الحنث إمَّا جائزٌ وإمَّا واجبٌ أو مستحبٌّ، وما جوَّز الله لأحدٍ البتَّةَ أن يَهتِكَ حرمةَ اسمه، وقد شرع لعباده الحنث مع الكفَّارة، وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّه إذا حلفَ على يمينٍ، ورأى غيرَها خيرًا منها كفَّر عن يمينه، وأتى المحلوفَ عليه٢. ومعلومٌ أنَّ هتْكَ حرمة اسمه ﵎ لم يُبَحْ في شريعةٍ قطُّ، وإنَّما الكفَّارة كما سمَّاها الله تعالى تَحِلَّة، وهي تَفْعِلةٌ من الحَلِّ، فهي تَحُلُّ ما عَقَدتْه٣ اليمينُ ليس إلّا، وهذا العقدُ كما يكون باليمين يكون بالتَّحريم. وظهر سرُّ قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾[التحريم: ٢] عقيبَ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.
فصل
الفصل الثَّالث: أنَّه لا فرقَ في٤ التَّحريم في غير الزَّوجة بين الأَمة
(١) في المطبوع: «تضمن» خلاف النسخ.
(٢) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (١٦٥٠).
(٣) في المطبوع: «عقد به» خلاف النسخ.
(٤) في المطبوع: «بين» خلاف النسخ.
وغيرها عند الجمهور، إلا الشَّافعيَّ وحده، فإنه١ أوجب في تحريم الأَمة خاصَّةً كفَّارةَ اليمين، إذ التَّحريم له تأثيرٌ في الأبضاع عنده دون غيرها. وأيضًا فإنَّ سبب نزول الآية تحريم الجارية، فلا يَخرجُ محلُّ السَّبب عن الحكم ويتعلَّق بغيره.
ومنازعوه يقولون: النَّصُّ علَّق فرْضَ تحلَّة اليمين بتحريم الحلال، وهو أعمُّ من تحريم الأمة وغيرها، فتجب الكفَّارة حيث وُجِد سببها، وقد تقدَّم تقريره. والله أعلم.
حكم رسول الله ﷺ في قول الرجل لأمرته: الْحقي بأهلِكِ
ثبت في «صحيح البخاريِّ»٢: أنَّ ابنة الجَوْن لمَّا دخلتْ على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها٣: «عُذْتِ بعظيمٍ، الْحَقِي بأهلك».
وثبت في «الصَّحيحين»٤: أنَّ كعب بن مالكٍ لمَّا أتاه رسول رسول الله ﷺ يأمره أن يعتزل امرأته قال لها: الْحَقِي بأهلكِ.
فاختلف النَّاس في هذا، فقالت طائفةٌ: ليس هذا بطلاقٍ، ولا يقع به الطَّلاق، نواه أو لم ينْوِه، وهذا قول أهل الظَّاهر٥.
(١) «فإنه» ليست في المطبوع.
(٢) برقم (٥٢٥٤) من حديث عائشة ﵂.
(٣) «لها» ليست في المطبوع.
(٤) أخرجه البخاري في مواضع منها (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك، في قصة براءته.